وكان يقول : خصلتان إذا كانتا في مريد حرم الوصول سوء الطعمة وإيذاء الخلق .
ومن شأنه إظهار الذلة والانكسار ، ولباس الخليقات الوسخة إذا هجره إخوانه فتحا لباب الرقة والخير عليه ، وإذا حضر عليه مجلس الذكر فليجلس بحاشيته ولا يدخل الحلقة ، ولا يفتح مجلس الذكر ولو كان ذلك من عادته قبل أن يهجروه ، إذ الواجب عليه العمل على كسر نفسه .
وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : من علامة المريد الصادق أن يكون مع إخوانه على نفسه ، ويزداد لهم محبة كلما أطالوا هجره ، لما في ذلك من مساعدة له على هدم نفسه .
ومن شأنه أن يكون عمالا بروحه أو جسده على الدوام لا يفتر عن ذلك .
وكان الشيخ نجم الدين البكري رضي اللّه عنه يقول : من شأن المريد أن يكون زاده التقوى ، وبضاعته الإفلاس ، وسفره إلى الآخرة ، ومراحله الأنفاس ، ومنازله القبر ، وصاحبه اليقين ، وتدبيره العجز ، وحركاته السكون ، وبيته الخلوة ، ولباسه الفقر ، ونومه محاسبة العمر ، وركبته وسادته ، ومسجده مجلسه ، إن درس فعلوم الحكمة ، وإن نظر فنظر العبرة ، رفيقه التوفيق ، وسمته حسن الخلق ، ومعلمه القناعة ، وصومه الصمت ، وهمته خوف النار ، وفرحه باللّه لا بالجنة ، وصحته اليأس من الخلق ، كما أن مرضه الطمع فيهم ، وواعظه الموت والمقابر والأيام والليالي ، ومطربه الحزن على تفريطه في أوقات عمره في غير مرضاة اللّه ، ونيته الجازمة رفض الدنيا أبدا ما عاش ، وسلاحه الوضوء ، ومركبه الورع ، وخصمه النفس والشيطان ، وسجنه الدنيا ، وسجّانه الهوى ، ليله تضرع ، ونهاره استغفار ، وحصنه دينه ، وشعاره شرعه ، ومحدثه كتاب ربه ، ورأس ماله حسن الظن بربه ، وحرفته كثرة الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي هداه اللّه به ، فهو الشيخ الحقيقي له ولجميع الأمة ، فهذا هو المريد الصادق .
وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن يكون خوفه من رد عمله الصالح عنده أكثر من خوفه من معاصيه الظاهرة .
وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن يستوي قلبه مع لسانه في كل مرة من الذكر ، لا يعقب قلبه في مرة عقوبة واحدة ، وأن تمتلئ عروقه كلها من محبة ذكر اللّه عز وجل ، ومع ذلك فلا يرى لنفسه قيمة ، بل يراها لا تصلح لخدمة ربه عز وجل ، إلا بتأهيله لها .
وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يكون بينه وبين أبناء الدنيا مصادقة ، ولا مصاحبة ، ولا مجالسة ، إلا بقدر الضرورة الشرعية ، فإن محبة طريق اللّه تعالى لا تدعه يميل إلى غيرها .
وكان يقول : ما أحب طريق اللّه تعالى صادق إلا صار يبغض الدنيا وطلابها ، لكونها تحجبه
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 85
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٨٥