تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ملازما ، ولا تمل ولا تولي ، ولا ترخص لنفسك في ترك العبادة وقتا واحدا بحجة العجز عنها ، فإن الناقد بصير . وكان إذا رأى من لبس لبس القوم وخالفهم في الأخلاق ، ينبهه على ذلك ويقول : ليس كل من تزيا بزي القوم يكون صادقا في طلب طريقهم ، فإن الزي أمر ظاهر ، والقوم عملهم قلبي باطني ، وما رأينا أحدا قط لبس جبة بيضاء وأرخي له عذبة وكتب له إجازة صار شيخا بذلك أبدا . وكان يقول : إذا لم يكن قلب المريد شفافا ، أي صافيا من الكدورات ، لا يظهر لفتيلة قلبه نور ، ولو عمل بجميع أعمال الصالحين . ومن هنا شرطوا التوبة للمريد من سائر الزلات ، ليستنير قلبه ، ثم إذا استنار وظهر نوره للخاص والعام ، فمن الأدب ستر نفسه ، يحجب الناس عن شهود ذلك النور ليخرج من الدنيا برأس ماله كاملا من غير نقص . وكان يقول : كل مريد كان له سريرة سيئة يفتضح بها في الدنيا والآخرة لو انكشفت لا يجيء منه شيء في الطريق - يا فضيحة من تزيا بزي الفقراء وخالف طريقهم . وكان يقول : يا ولدي إن طلبت أن تكون صادقا في إرادتك فالبس قميص الفقراء النظيف الشريف الظريف ، فما الأمر بلبس الثياب ولا بسكنى العتاب والزوايا والخوانق ، ولبس العبا والمرقعات ، ولا بلبس القبا والأزرق وحف الشوارب ، ولا بلبس الصوف والنعل المخصوف . وكان يقول : من شأن المريد أن لا يكون في صحيفته شيء من الزلات ، بل تطوى صحيفته كل يوم مضمخة معنبرة ممستكة معطرة بأعمالها الزكية ، وشيمه المرضية ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن تكون أعماله على وفق الشريعة المطهرة نصا أو استنباطا سالمة عن الشطح عند ظاهر الشريعة ، فإن الشريعة هي الحد القاطع والسيف اللامع لعصمتها بخلاف ما يدعى أنه باطن الشريعة مما يخفى على العلماء وجه استنباطه من الكتاب والسنة فإنه غير معصوم . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : من أحب أن يكون صادقا في إرادته ، وجميع أعماله وأقواله ، فليحبس نفسه في قمقم الشريعة وليختم عليها بخاتم الحقيقة ، وليقتلها بسيف المجاهدة ، وتجرع المرارات . وقد رأيت في يوم كتابتي لهذا الموضع علما من أعلام النبوة مشافهة ينهض همة المريد ويقوي إيمانه بالعمل والشريعة ، فأحببت كتابته هنا ، وذلك أن شخصا أتاني برأس خروف شواها وأكل جلدها ، فرأى فيها مكتوبا بالخط الإلهي فوق الحاجبين والأنف ما هذا صورته :