وترخص ، وقال ما على فاعل ذلك ملام ، فلا يجيء منه شيء والسلام .
وكان يقول : ما بنيت طريق المريدين إلا على التيار ، والنار ، والبحر الهدار ، والجوع والاصفرار ، ما هي بالتشدق ولا بالفشار ، ثم يقول : آه آه آه ما رأيت أحدا من أولادي اقتفى آثار الرجال ، ولا صلح أن يكون محلّا للأسرار . وكان يقول : خلوة المريد الصادق سجادته ، وخلوته سره وسريرته . وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يؤذيه ، ولا يتحدث فيما لا يعنيه ، ولا يشمت قط بمصيبة . إذا بلي صبر ، وإذا قدر غفر ، يعمر الأرض بجسده ، والسماء بقلبه ، طريقه الكظم والبذل والإيثار ، واللّه أعلم .
ومن شأنه أن يقلل من النوم ما أمكن لا سيما وقت الأسحار ، فإن النوم ليس فيه فائدة دنيوية ، ولا أخروية بالأصالة ، وإنما كثرته خسران لأنه أخو الموت .
وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : كيف يدعي المريد الصادق في الحب للطريق ، وهو ينام وقت الغنائم ، ووقت فتح الخزائن ، ووقت نشر العلوم ، وإظهار المكتوم ؟ أما يستحي الكذاب من الدعاوى ! ؟ همته راقدة ، وعزيمته خامدة ، وهو مع ذلك يدعي الصدق !
ثم يقول : واللّه ما صدق مريد في محبة الطريق إلا نبعت الحكمة من قلبه ، وصار يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن اللّه تعالى .
وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن يثبت في طلب الطريق حتى ينبت وتنبسق أغصانه ، وهناك يأمن من الرجوع عنها . وكان يقول : يا ولد قلبي ، إن طلبت أن تكون صادقا معي ، فتجنب معاشرة أهل الجدال بغير علم ، ولا تتخذ لك منهم صاحبا فيصدك عن طريق العلماء العاملين ، واجعل صاحبك كل عالم يطالب نفسه بالعمل بكل ما علم ثم لا يعد نفسه من العلماء ، فإن مثل هذا يلقّى الحكمة واللّه أعلم .
ومن شأنه أن يكون حمالا للأذى ، مواظبا على النسك والعبادة ليلا ونهارا ، لا يحيد ولا يميل حتى يسكن من حب اللّه عز وجل ، فإذا سكن من حبه فهناك لا يلتفت لسواه في الدارين إلا بإذنه .
وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : يا ولدي إن كنت صادقا في إرادتك ، وصفاء معاملتك ، وطهارة سريرتك ، فإياك أن تدعي أنك شممت للطريق رائحة ، ولا ترى نفسك إلا عاصيا مفلسا ، فكم تلف من غرور النفس مريد .
وكان يقول : يا ولدي إن طلبت أن تكون مريدي حقا فقم قياما دائما ، وجاهد جهادا
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 67
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٧