عن كمال الإقبال فلا يقدر على ذلك واللّه أعلم .
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
ومن شأنه أن لا يكثر من مطالعة كتب القوم وغيرها بل يشتغل بذكر ربه عز وجل فإنه هو الجلاء لقلبه .
وقد كان سيدي الشيخ أبو السعود بن أبي العشاير يقول : كتاب المريد هو قلبه .
وكان يقول : الأصول التي يبني عليها المريد أمره أربعة أشياء : اشتغال اللسان بذكر اللّه عز وجل مع حضور القلب ، وجبر القلب على جمعه لمراقبة اللّه عز وجل ، ومخالفة النفس والهوى من أجله تعالى ، وتصفية اللقمة لعبوديته من الشبهة ، وهذه الرابعة هي القطب ، وبها تزكو الجوارح ، ويصفو القلب . فالمريد الحاذق يعطي نفسه حظها الشرعي من الأكل ويمنعها ما يطغيها ، فإن النفس أمانة اللّه تعالى عند العبد ، وظلمها بالجوع المفرط أو غيره كظلم الغير على حد سواء بل هو عند بعضهم أشد ، لما صح عندهم من تغليظ العذاب على من قتل نفسه زيادة على عذاب من قتل غيره . قال : والإكسير الذي يقلب عين طينة العبد ذهبا خالصا هو الإكثار من ذكر اللّه تعالى مع الإخلاص .
قلت : وإيضاح ذلك أن الحق تعالى لا يقرّب إلى حضرته إلا من استحيا منه حق الحياء ، ولا يصح له أن يستحيي كذلك إلا إن حصل له الكشف ورفع الحجاب ، ولا يصح له الكشف إلا بملازمة الذكر ، وهذه طريق يصل بها المريد بسرعة ، واللّه أعلم .
ومن شأنه أن يكون عنده شوق للطريق وأهلها لا يمله ولا يطفئ لهيب قلبه ، وقد كان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : من شرط المريد أن يكون باطنه بيت الاحتراق على الدوام ، قال : ويشهد لذلك ما قاله الأطباء من أن برد الرحم سبب في عدم الحمل .
وكذلك المريد متى لم يجد لوعة الوجد ، وحرقة الطلب والشقو إلى المقصود ، لا يتولد فيه من فيض أستاذه حرارة يظهر منها نتاج ، فهو مثل الوقود البارد لا يؤثر فيه القبس إلا دخانا كالدعاوى والرعونات الحاصلة للنفس الدخيلة بين القوم بغير حق وحرقة وشوق وطلب وجد إذ هي كالصحيفة الرطبة التي لا تثبت عليها كتابة أو كحراق مبلول لا يحرق ولا يعلق فيه قبس .
وكان يقول : إياك أن تحسد من اصطفاه اللّه تعالى عليك من أقرانك وجعله من أهل الطريق دونك وانقادت إليه الأمراء والأكابر دونك وتقول : أنا تربيت وإياه ونحن نعرف بعضنا ؛ كما يقع فيه كثير من أهل الرعونات . بل الواجب عليك أن تكون تلميذا له وتتبرك به كما يتبرك به غيرك حيث تعين ذلك عليك بطريقه الشرعي ، فمن حسد من رفعه اللّه عليه ربما مسخ اللّه