تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
سائرا في المقامات ليلا ونهارا ، غدوّا وآصالا ، لا مقيل له ولا هدوّ ، وجواده قد فرغ من اللجم ، وامتلأ من الشجاعة والعزم ، قد شق بطنه السرى ، وأسقمها البرى ، لا يفند همته مفند ، ولا يهوله مهلك ، ولا ترده ضربات الصوارم ، ولا يفشله شيطان غويّ ، ولا مارد ، حتى كل من خاصمه في محبوبه عاد مخصوما . لا يهدى ولا ينام ولا يضحى بل الدهر كله عنده سواء ، حتى يدخل خيام ليلى ويضع على خدّه أطناب تلك الخيام ويسمع الخطاب ، فهناك ينتعش ويطيب ، ويقال له : استرح يا طول ما قطعت براري ، وقفارا وجبالا وبحارا ، وظلاما ونارا ، يا طول ما تعبت وتغيبت ، يا طول ما رجع غيرك من الطريق ، وجئت فأكرم اللّه مثواك ، ولا خيب مسعاك ، أنت اليوم عندنا ضيف مكين أمين ، وضيافتنا لا ينقضي أمدها ، بل هي باقية أبد الآبدين ، واللّه أعلم .

كيف يكون المريد ؟

ومن شأنه أن لا يكون عنده حسد ، ولا غيبة ، ولا بغي ، ولا مخادعة ، ولا مكابرة ، ولا مماراة ، ولا ممالقة ، ولا مكاذبة ، ولا مصاقلة ، ولا كبر ولا عجب ، ولا ترفّه ، ولا افتخار ، ولا شطح ولا حظوظ نفس ، ولا تصدّر في مجالس ، ولا رؤية نفس على أحد من المسلمين ، ولا جدال ، ولا امتحان ، ولا تنقيص لأحد من أهل الطريق ، ولا من تزيق بالزيق ، ومن ادعى الصدق في الإرادة وعنده خصلة واحدة مما ذكرنا ، فهو غير صادق ، ولا يجيء منه شيء في الطريق ، لأن هذه الصفات توقف صاحبها عن السير ، بل تطرده عن حضرة اللّه عز وجل إلى حضرة الشياطين ، لأنها صفاتهم واللّه أعلم . ومن شأنه أن يسد عنه باب مراعاة تعظيمه من المخلوقين ، ولا يلتفت إلى أحد من الخلق أقبل عليه أو أدبر عنه ، إلا بطريقه الشرعي ، لأن من شرط المريد الصادق ، أن يحب العزلة عن الناس ، ولا يطلب له مقاما عند أحد منهم ، فما له ولهم ؟ فلا ينبغي له حضور المجالس التي فيها لغو ، أو مداهنة ، أو جدال ، أو عجب أو رياء ولو كانت مجالس علم ، وقد قلّت السلامة من هذه الأمور في طلبة العلم ، فعليك يا أخي بالوحدة إلا في حضور الجماعات ، ومجالس العلم السالمة مما ذكر . وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : يا ولدي إياك وحضور مجالس العلم التي يغلب على الظن انه لا إخلاص عند أهلها ، فإنها تورث ظلمة في قلبك ، وعليك بالعزلة عنهم بعد أن تعرف ما أمرك اللّه تعالى بتعليمه ، فإنك يا ولدي في القرن السابع إلى العجائب والغرائب ، وقد صار غالب أهله يجعلون سلوك طريق القوم خارجا عن الشريعة ، وحقيقة المحبة تدعى في الطريقة ، وصاروا يرون من سوء حالهم أن باب العطاء قد أغلق على