القوم ، كما أغلق عليهم ، وذلك لجهلهم بما عليه أهل الطريق من المجاهدات لنفوسهم ليلا ونهارا ، حتى تقطعت أكبادهم في طلبها وتمزقت أبدانهم من تعبها ونصبها ، ولو أن أحدا منهم ذاق حال القوم لعذرهم في صياحهم ، وشق أثوابهم . وكان يقول : واللّه ليس مطلوب المريد الصادق إلا هو ؛ يعني بذلك زيادة المعرفة ، وإلا فالحق تعالى معروف لجميع المسلمين معلوم الوجود لهم .
وفي كلام سيدي علي الخواص : لا يصلح لأحد طلب الحق تعالى لأن الطلب لا يكون إلا لمفقود ، والحق تعالى موجود عند سائر الطوائف ، حتى عند من قال بالتعطيل ، لأنه لم يعطل وجود الحق وإنما عطل صفة من صفاته لا غير كقوله : إن اسمه تعالى الحي يعني عن الاسم الباقي لأن الحي من كانت حياته لا تفنى ، هكذا قال الشيخ . والحق أن ثم من يقول ما ثم إلا فروج تدفع ، وأرض تبلع ، واللّه أعلم .
وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يمل من شهود رؤية التقصير في سائر أحواله ، فإن رؤية التقصير تفتح له باب المزيد في الدرجة ، وقد يعطي المولى من هو قاصر ما لا يعطيه لأهل المحابر .
كيف يختار المريد أستاذه في الشريعة ؟
ومن شأنه أن لا يقرأ علم الشريعة إلا على من عرف بالزهد والورع ، وإن أذن له شيخه في القراءة عليه كان أعون له وأقرب لغرضه .
وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : لو كان المريد يأتي إلى الطريق من باب الإخلاص في العلم والعمل ، ويفعل الأوامر الشرعية امتثالا لأمر اللّه تعالى لا لعلة ثواب ولا غيره ، كما كان عليه السلف الصالح ، لا ستغنى عن القوم ، ولكنه أتى الطريق بعلل وآفات في علمه وعمله فلم يمكّن من دخول حضرة اللّه عز وجل ، فلذلك احتاج إلى حكيم يزيل علله وأمراضه ليؤهله لدخول حضرة اللّه عز وجل ، فإنها حضرة محرمة على أهل الدعاوى والرعونات . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا لم يقدر المريد على اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، فليتبع خلق شيخه لا أنزل من ذلك ، فإن لم يتبع خلق شيخه هلك ، ومن استهزأ بالطريق وأهلها استهزأت به الطريق ورفضته قهرا عليه . والمراد باستهزائه بالطريق عدم مشيه على قواعد أهلها
وكان رضي اللّه عنه يقول : قوت المريد الصادق في بدايته الجوع ، ومطره الدموع ، ووطره الرجوع ، يصوم حتى يرق ويلين ، وتدخل الرقة قلبه ، وأما من شبع ونام ولغى في الكلام