تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
طريق القوم تصديق وتحقيق ، وجهد وعمل ، وغض بصر وطهارة قلب ويد وفرج ولسان ، ومن خالف شيئا من أفعالها رفضته الطريق كرها عليه . وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : يجب على المريد أن يجمع همّة العزم ، ليعرف الطريق بالذوق لا بالوصف والقلم . وكان يقول لمريده : إن كنت يا ولدي صادقا ، فتجرد من قالبك إلى قلبك ، والزم الصمت عن الاشتغال بكل ما لا فائدة فيه من الجدال ، وزخارف الأقوال ، وصمم العزم ، واركب جواد الطريق ! ثم يقول : آه آه آه ما أحلى هذه الطريق ، ما أسناها ، ما أمرّها ، ما أقتلها ، ما أحياها ، ما أحلاها ، ما أصعبها ، ما أكبرها ، ما أكثر مصايدها ، ما أكثر مددها ، ما أعجب واردها ، ما أعمق بحرها ، ما أكثر سباعها ووحوشها ، ما أكثر عقاربها وحياتها ! ! وكان يقول : كيف يدعي أحدكم محبة ليلى ، وهو ليلا ونهارا مع عذالها ولوامها والمنكرين على أهلها والمعترضين عليها بالجهل والخائنين لعهودهم ، إنما تبرز ليلى لمن تهتّك في حبها ، ولم يسمع كلام المنكرين على أهلها ، فإن ليلى لا تحب من يحب سواها إلا بإذنها ، بل لا تحب من تخطر محبة سواها في قلبه ، إنما تحب من كان بحبها سكران ، وبشرابها ثملان ، ولهان ، ذهلان ، عرقان ، نشوان ، هيمان ، لو اجتمع الثقلان أن يلووا قلبه بها ، أو يحلوا عقدة عهدها ، ما استطاعوا . وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يكثر من مجالسة أرباب المحال ، وزخارف الأقوال ، ولقلقلة اللسان ، وإنما يجالس من أخذته الطريق ودققه التمزيق ، وتفرق عنه كل صديق ، وذاب قلبه وجسمه من تجرع مراراتها ، ثم يقول : من شك في قولي بأن مجالسة هؤلاء يميت قلبه ، فليمتحن نفسه بالأنس باللّه تعالى ، إذا ذكر اللّه في مجلس ذكر ، وإذا قرأ شيئا في أحكام الشرع أو النحو أو غير ذلك مع خلو قلبه عن الذكر ، فإنه بيقين يجد الأنس في ذكر اللّه تعالى أكثر من الأنس الموجود في غيره ، وما كان فيه الأنس أكثر فهو أقرب إلى حضرة شهود اللّه تعالى ، لأن الأنس من علامة القرب والرضى ، وتركه من علامة البعد واللّه أعلم . ومن شأنه أن يوبخ نفسه ، ويحثها على السير في الطريق كلما وقفت مع حظ من حظوظها ، ويقدم حذف العلائق على كل عمل ، فإنهم قالوا : مثال من خزن عنده درهما ، مثال من ربط رجله بخيط دارج ، ومثال من خزن نصفا مثال من ربط نفسه بحبل الغسيل ، ومثال من خزن دينارا مثال من ربط نفسه بحبل البئر ، ومن زاد في الدنيا زاد في الحبال ، وينبغي له كلما تعب من عبادة أن يقول لنفسه : اصبري فإن الراحة أمامك ، وإنما أريد بتعبك إكرامك . وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : من شرط المريد الصادق أن يكون