تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
على الشيخ ما ارتكبه من الزلات بعد الإجازة لرجع عن إجازته وحكم على نفسه بالخطأ في ذلك ، فليفتش المريد نفسه بعد الإجازة ولا يقنع بكتابة درج يكون عنده فإن ذلك غرور . وكان يقول : إذا اشتغل المريد بإعراب الكلام العادي واستقامته وسلامته من اللحن ، فقد تورع منه في الطريق ؛ إنما ينبغي له الإعراب والاستعانة في الأعمال الصالحة ، لكن لا بأس بأن يتعلم من النحو ما يحفظه عن اللحن في القرآن والحديث واللّه أعلم . ومن شأنه أن يكون ذا صبر شديد على ملازمة السهر والجوع والعزلة عن الناس ببدنه وقلبه ، فقد قال سيدي إبراهيم الدسوقي : إن الطريق إلى اللّه تعالى تفني الجلاد وتفتت الأكباد ، وتضعف الأجساد ، وتدفع للسهاد ، وتسقم القلب ، وتذيب الفؤاد . وكان يقول : من أعظم ما يؤمن به المريد المحبة والتسليم للشيخ ، وإلقاء عصا المعاندة والمخالفة ، والسكون تحت مراد شيخه وأمره ، فإذا كان كل يوم يزداد محبة في شيخه وفي التسليم له ، سلم من القطع ، فإن عوارض الطريق وعقبات الالتفاتات والإرادات هي التي تقطع الأمداد وتحجب المريد واللّه أعلم . ومن شأنه أن يفر ممن يرمي أهل الطريق بزور ، أو بهتان ، أو رياء أو نفاق ، فإن كل من تجرأ على أهل الطريق أبغضه اللّه ومقته ، فلا يفلح بعد ذلك أبدا ، ولو كان على عبادة الثقلين سوى ذلك ، فإن قلت : فكيف يصح لنا أن نعرف محبة اللّه تعالى لعبد من عبيده ؟ فالجواب أننا نعرف محبة اللّه تعالى له ، بتقربه إليه بالطاعات وكثرة النوافل ، فإذا رأينا من يفعل ذلك ، وجب علينا محبته وحرم علينا بغضه ، وليس لنا أن نشق قلبه حتى نعرف أنه مخلص أو مراء ، لأن ذلك إلى اللّه تعالى لا إلينا . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي يقول : من علامة كذب المريد في دعواه كمال الصدق في محبة ربه ، نومه في الأسحار ، وفوات شربه من دن الدنو ، وخمر الخمار ، وكان يقول : لا يصح لمريد القرب من حضرة ربه إلا إن ترك كلّ ما سواه من مقام ودرجات ، وخوارق وكرامات ، وكان يقول : كل مريد قبل فتوى إبليس في أن اللّه تعالى لا يعاقبه على ترك فعل السنن والأوراد ، تعس وانتكس وفاته المراد ، فإن الشيطان إنما يأمر المريد برخص الشريعة ، يستدرجه إلى البغي والغيّ . فإذا عمل المريد بالرّخص بعد أن كان يعمل بالعزائم ، نقل بعد ذلك إلى فعل المحظورات ويقول له : إن هذا الفعل مقدر عليك قبل أن تخلق ، فأي شيء كنت أنت ؟ ويوسوس له بأنك صرت من الموحدين الخالصين ، لا ترى لك فعلا مع اللّه تعالى ، فيهلك مع الهالكين ، لأنه لا يصير يتوب ولا يستغفر من ذنب . وكان يقول : من شرط المريد أن يكون من أبعد الناس عن الآثام كثير السهر والقيام ، كلما زاد في خدمة سيده زاده قربا وإحسانا .