تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
مع اللّه ، أو في علم الأحكام كان مع اللّه ، كشفا وشهودا ، بخلاف من لم يبلغه بسيره ، فكل شيء اشتغل به في الوجود ربما يشغله عن اللّه ، حتى الكلام المباح . وكان يقول : من آكد ما يجب على المريد مطالعته ، لما كان فيه مناقب الصالحين وآثارهم من العلم والعمل ، وكثرة الذكر ليلا ونهارا ، لأن ذلك يجذبه إلى اللحوق بهم ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن لا يكون عنده منافسة لأحد ، ولا جدال في شريعة ولا حقيقة ، ولا منافسة في تصحيح أعمال غيره ، لأن ذلك من وظيفة الأشياخ ، وأما المريد فإن اشتغل بذلك ، قطعه عن السير وأورث عنده الرئاسة والعجب ، فهلك من حيث لا يشعر ، بل الواجب عليه أن يكون عمّالا في طريق الترقي ، لا يمل منها كسلا ليلا ولا نهارا ، وللجدال أقوام وللتسليم أقوام . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه اللّه يقول : من شرط المريد الصادق ، أن يكون خارجا عن حظوظ نفسه كلها ، لا التفات له إلى حظ من الحظوظ من مال أو جاه أو نسبة إلى صلاح ، يرضى بالتلف والضيق ويفرح بالخمول وعدم الشهرة ، كما هو شأن الصادقين ؛ لأن الفلاح والنجاح لا يصحّ إلا لمن ترك حظوظ نفسه وقابل الأذى بالإحسان والشر بالاحتمال . وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يكون له فعل رديء ، ولا يصرفه عن طريق القوم صارف ، ولا يرده عنها السيوف والمتالف . وكان يقول : من شرط المريد أن لا يكون عنده دعوى صادقة فكيف بالكاذبة ، ولا يكون بينه وبين الأحداث والنساء الأجانب ودّ ولا إخاء ، إنما ذلك للأشياخ . وكان يقول : من شأن المريد أن يكون عمّالا ببدنه وقلبه ، ليس عنده شقشقة بالكلام في الطريق ، ولا يتكلم فيها حتى ولو تخلق بأخلاقها ، حتى يأذن له شيخه ، قال : وغالب مريدي زماننا هذا قد قنعوا من الطريق بكلمات تلقفوها من بطون الكتب أو من أشياخهم ، فمن سمعهم ظن أنهم من القوم ؛ فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ومن شأنه أن يفتش على الحل في اللقمة ، وساتر العورة ، وما دام لسانه يذوق الحرام والشبهات فأعماله لا يفي نورها بظلمة تلك اللقمة ، ومعلوم أن عمل المريد دائما ، إنما هو فيما يستنير به قلبه ليفرق بين الهدى والضلال . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : من شأن المريد الصادق أن لا يلتفت بقلبه إلى تزكية الناس له ، بل الواجب عليه أن يفتش نفسه عن كل شيء زكاه الناس به ، فربما كتب الشيخ للمريد إجازة أيام الاستقامة ، ثم إن المريد غير وبدل ، فماذا تنفعه تلك الإجازة وهو قد غير وبدل في أحوال أهل الطريق ؟ بحيث لو أنه عرض