تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
يمنع الناس عن اجتماعهم بالصوفية ويقول : وهل مع أحد منهم شيء زائد على ما معنا ؟ حتى نزل عليه منهم جماعة في الليل من دور قاعته « 1 » ، فسألوه عن مسائل في الشريعة فأعجزوه ، ثم طاروا في الهواء ثم قالوا له : طر معنا فلم يستطع . فمن ذلك اليوم صار يحث الناس على الاجتماع بالصوفية ويقول : إنهم زادوا علينا في العمل بما علموا . ومن شأنه أن لا يلتفت إلى مال خرج عنه قبل دخوله في الطريق ، ولا إلى دار ولا ضيعة ولا سبب من الأسباب ، فإن الالتفات إلى ذلك من أضر شيء على المريد الضعيف ، وربما انتكس إلى حالة أقبح مما كان عليه قبل دخوله في الطريق ، وقد كان الجنيد رضي اللّه عنه يقول : لو أقبل صادقا على اللّه تعالى ألف عام ثم أدبر عنه لحظة كان ما فاته في تلك اللحظة أكثر مما ناله قبل ذلك . وإيضاح ذلك أن كل لحظة متضمنة لجميع الأمداد السابقة ، ويزيد عليها بمدد الوقت ، فإن جود الحق تعالى لم يزل فياضا على الدوام ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن يكون مجتهدا في طاعة ربه لا سيما أول بدايته فإنهم قالوا : من لم يكن مجتهدا في بدايته ، لا يفلح له مريد في نهايته ، وذلك لأنه إذا نام نام مريده غالبا ، وإذا صام صام مريده كذلك ، وإذا تناول الشهوات تناولها مريده كذلك ، وهكذا في سائر الأخلاق ، وإيضاح ذلك أن استمداد المريد الصادق إنما هو من شيخه ، فكل حالة كان شيخه فيها استمد منها المريد ، حتى إن الشيخ لو غفل عن ربه فلا بد من غفلة مريده قهرا عليه ، فلا أحد أتعب قلبا ولا بدنا ممن نصب نفسه إماما للمريدين ، لكن ذلك أغلبيّ لا كليّ ، فقد يغفل المريد عن ربه حال حضور شيخه معه . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي يقول : لا بد للمريد من المجاهدة مع الإخلاص ، فإنه إذا صدق في معاملة اللّه تعالى في السرائر ، جعله على الأسرة والحظائر ، وكان يقول : من خلص النظر إلى وراء ، سلم من الانتكاس بين الورى ، وكان يقول : من لم يكن عفيفا ، نظيفا ، شريفا ، فليس هو من أولادي ، ولو كان ولدي لصلبي ، ومن كان ملازما للطريقة والديانة ، والصيانة ، والزهد ، والورع وقلة الطمع ، فهو ولدي وإن كان من أقصى البلاد ، وكان يقول : يجب على المريد الضعيف الحال ، أن يأخذ من العلم ما يجب عليه تأدية فرضه ونفله ، ولا ينبغي له أن يشتغل بشيء زائد على ذلك من الفصاحة والبلاغة ، حتى ينتهي سيره ويعرف ربه ، وهناك يصير لا يشغله عن ربه شاغل ، فإن قرأ في علم النحو كان مع اللّه ، أو في علم الكلام كان
هامش
( 1 ) دور قاعته : بمعنى الدهليز .