تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
نفسه ، ولم يشاركهم في شيء مما استشرفت إليه نفوسهم ، وكان يقول : من شأن المريد ، أن لا يتأثر على شيء فاته من الدنيا ، ومتى تأثرت منه شعرة إذا دخل اللصوص وأخذوا جميع ما فيها فهو كاذب في الطريق ، إذ الصادق ينشرح لكل شيء فاته من الدنيا فضلا عن التأثر عليه ، واللّه أعلم . ومن شأنه التباعد عن كل من لا يراه يعمل بعمله وبعلمه ، لئلا يسرق طباعه مثله فيهلك ، فإن جليس السوء أضر على جليسه من إبليس فإن إبليس إذا وسوس للمؤمن عرف المؤمن أنه عدو مضل مبين ، وإذا أطاع وسواسه عرف أنه عصى ربه عز وجل فيأخذ في التوبة من ذنبه وكثرة الاستغفار عنه ولا هكذا إخوان السوء لأنه يلبس الحق بالباطل على وفق غرضه وهواه ، ولا يكاد يعتذر عن ذنب ، وربما احتج بالقضاء والقدر وجادل بالباطل ، ومن خالط مثل هذا ضل سعيه ، وقد قالوا : ستون من مردة الشيطان لا يفسدون ما يفسده قرين السوء في لحظة . فكن يا أخي فطنا ولا تجالس إلا من رأيته يعمل بعلمه ، واحذر من الاغترار بمن لا يراعي ذلك من الفقراء ، فقد كان سيدي إبراهيم المتبولي إذا خرج من زاويته مريد ليتعلم العلم في الجامع الأزهر يقول له : إذا دخلت الجامع فاسأل عن علمائه فكل من مدحه الناس بالورع والزهد وقلة التردّد إلى الأكابر فاقرأ عليه ، وإياك أن تقرأ على من لا يتورع في مأكله أو ملبسه فإنك تصير مثله على طول ، وإذا تعلمت العلم فاطلب طريق العمل به على يد الصوفية فإنهم يقربون عليك الطريق ، وإذا قال لك فقيه بعد ذلك : ماذا استفدته بعدنا من صحبتك للصوفيّة ؟ فقل له : استفدت منهم حسن العمل بما تعلمته منكم .

المريد الصادق

فلو أن الفقهاء عادة يعتنون بالعمل بعلمهم كما يعتني به الصوفية لكانوا هم الصوفية ، ولم يحوجوا طالبا إلى غيرهم ، كما كان عليه السلف الصالح من العلماء ، فإن حقيقة الصوفي هو عالم عمل بعلمه على وجه الإخلاص لا غير ، وكان الإمام الشافعي رحمه اللّه مع جلالته يجالس الصوفية ، فقيل له : ماذا استفدت من مجالسة هؤلاء ؟ فقال : استفدت منهم شيئين ، قولهم : الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك ، وقولهم : إن لم تشغل نفسك بالخير ، شغلتك بالشر . وكذلك كان الإمام أحمد رحمه اللّه يجالس أبا حمزة البغدادي الصوفي وكان إذا أشكل عليه شيء يقول : ما تقول في هذا يا صوفي ؟ وكفى بذلك منقبة للقوم ، فلو لا أن عندهم مزيد خصوصية ، ما احتاج إليهم مثل الإمام أحمد . وحكى ابن أيمن في رسالة الإمام أحمد أنه كان