تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فخرج عليه أبو يزيد يوما على غفلة ، فبمجرد ما وقع بصر المريد عليه مات لوقته ! فقيل له في ذلك ، فقال : إني تجليت له بما انطوى عليه باطني من عظمة اللّه عز وجل فصعق ! وكذلك وقع للشيخ عبد المجيد شقيق سيدي عبد العال مع سيدي أحمد البدوي رضي اللّه عنه ، فقال له عبد المجيد يوما : يا سيدي مقصودي ترفع اللثامين حتى أرى وجهك ، فقال : يا عبد المجيد كل نظرة تقتل ! فقال : نفسي بذلك طيبة ، فرفع سيدي أحمد اللثام عن وجهه ، فخرّ سيدي عبد المجيد ميتا لوقته ! هكذا حكى لي شيخنا الشيخ محمد الشناوي . وحكى الشيخ محيي الدين ابن العربي : أن الشيخ أبا يعزى المغربي ، كان لا يقع بصر أحد عليه إلا عمي لوقته ، قال : وممن رآه فعمي الشيخ أبو مدين ، وكان أبو يعزى هذا من أكابر الوارثين رضي اللّه عنه ، ثم لما عمي أبو مدين أمره الشيخ أبو يعزى بأن يمسح عينيه بشيء من ثيابه ، ففعل الشيخ أبو مدين فرد اللّه عليه بصره . وكان الجنيد رضي اللّه عنه يقول : صحبت السري إلى أن مات ، فما عرفت هل لحيته بيضاء أم سوداء . وأخبرني الشيخ شهاب الدين المشهور بمازن الأزهري : أنه خدم سيدي محمد بن عنان سنين ، فلم ير له وجها ، وكذلك الشيخ لم يعلم بطلوع لحية الشيخ مازن إلا من الناس كما مرّ قريبا ؛ واللّه أعلم .

الطريق لا تقبل الشركة

ومن شأنه أن يكون لهجا بذكر اللّه عز وجل في سائر أوقاته ، ولا يجيب قط من عدله عنه إلى غيره إلا بطريق شرعيّ فإن الطريق لا تقبل الشركة معها ، وكل من لم يعطها كله لا تعطه بعضها ، فلا يزال المريد يلهج بذكر اسم اللّه ، حتى يحصل له الحضور الدائم مع اللّه ، فهناك يستغني عن ذكر اللسان بالشهود القلبيّ ، وما دام لم يحصل له الحضور الدائم ، فهو مأمور بذكر اللسان ، وقد تقدم أن حكم الذكر في الجلاء للقلب المصدىء كحكم الحصى للنحاس المصدىء ، وحكم غير الذكر من سائر العبادات كحكم الصابون للنحاس ، فيا طول تعب صاحبه ويا بعد وصوله ، وبالجملة فكل شيء أشركه المريد مع الذكر ، قطعه عن سرعة السير وأبطأ فتحه بقدره كثرة وقلة واللّه أعلم . ومن شأنه القيام بالإمامة والأذان إذا بلغ وطلبها أصحابه منه ، ولا يتعلل بالحياء فإنه حياء طبيعي لا شرعي . وكذلك من شأنه غسله لثياب إخوانه إذا اتّسخت واستأذن شيخه في ذلك ، كما سيأتي في الباب الثالث إن شاء اللّه تعالى .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 57 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى