تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
تغيير الحلاس ، يعني الثياب ، والجلاس يعني الذين يشغلونه عن اللّه ، والأنفاس ، فيصير يحذر من تضييع نفس واحد من أنفاسه في غير طاعة - وفي غير رواية : والانعباس ، وهو أن يعبس بوجهه لكل من يريد أن يشغله عن ربه ، حتى ينفر الناس من مجالسته » . وقد حث القوم المريد على التشبه بالقوم في مراسمهم الظاهرة ، لكي ينتقل إلى مراسمهم الباطنة ، وفي كلام العلماء : « المروءة هي التخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه » وجعلوا تغيير الهيئة له مخلّا بالمروءة ، كما لو لبس القاضي ثوب فلاح وعمامته مثلا ، وفي المثل السائر « كل كلّ ما تشتهي نفسك - يعني من الحلال - والبس ما يلبسه أبناء جنسك » واللّه أعلم . ومن شأنه أن يكون ذا نهضة ونشاط على الدوام ، فلا يرمي بنفسه إلى الكسل وقتا من الأوقات ، فليحذر أن يصلي النافلة قاعدا مع القدرة على القيام ، أو يتناول حاجة وهو قاعد ، أو يزحف إلى الحاجة حتى يصل إليها إذا كانت قريبة منه ، أو يرسله شيخه في حاجة إلى السوق مثلا فيقول : انظر هل بقي حاجة أخرى ليكون خروجي للسوق مرة واحدة ؟ ونحو ذلك على وجه الكسل لا على وجه الخوف من فتنة الخروج ، وكل من فعل شيئا مما ذكرناه فهو عاجز لا يصلح للطريق . ومن الكسل أيضا طلبه دابة يركبها إذا أرسله شيخه في حاجة ، مع قدرته على المشي إليها وحمل تلك الحاجة على ظهره أو في يده عادة ، بل يرى الشرف له إذا خدم الفقراء وتعب في حوائجهم . فينبغي للشيخ إذا رأى المريد يميل إلى الرخص والراحة ، أن لا يتعب نفسه فيه ، ويأمره بالحرفة والصنائع ، فإن كلّا ميسر لما خلق له ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن يكون كثير الإطراق في الأرض إذا جلس أو مشى ويقلل من الالتفات وفضول النظر ، وإن أرخى الطيلسان دائما على وجهه بقدر ما ينظر مواقع قدمه فقط ، كان أعون له ، قالوا : وهذا دأب المريد ما لم ينظر إلى الأمور بعين الاعتبار ، فإذا صار ينظرها بتلك العين فلا يؤمر بالإطراق إلا على وجه الحياء من اللّه لا غير ، وقد كان أنس بن مالك لا يفارق البرنس صيفا ولا شتاء ويقول : إنه يكف البصر عن فضول النظر . وكان السلف الصالح إذا سئل أحدهم عن صفة جليسه لا يعرفها ، فكيف بصفة شيخه ! وما قام أحد بهذا الأدب مثل ما قام به النقشبندية ببلاد الهند والعجم ، بمجرد ما يأخذ المريد عن الشيخ ، لا يعود ينظر إلى وجهه حتى يموت ، وفي ذلك سر خفي ، وهو أن الشيخ ربما تجلى للمريد بالعظمة التي في باطنه للّه عز وجل ، فلا يطيقها المريد فيموت ! كما وقع ذلك لأبي يزيد البسطامي مع مريد كان يقول : مرادي أرى اللّه عز وجل ! فقال له يوما : إنك لا تطيق رؤية اللّه إلا بعد أن تطيق رؤيتي في اليقظة من حيث التجلي القلبي ، فقال له المريد : بلى أطيق ذلك ،
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 56 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى