الثياب وتبييضها ، ليشاكل بذلك باطنه من باب التحدث بالنعمة ، لا لغرض نفسانيّ ، ولبس الأصواف الرفيعة وغيرها لا يفلح في طريق القوم ، ولو كان شيخه من أكبر الأولياء .
وو اللّه لقد لبست في بداية أمرى المرقعات ، وشراميط الكيمان ، وتعمّمت بالحبال وجلود قصاصات النعال الجديدة ، وكان الناس يأتوني بالثياب الفاخرة والأطعمة اللذيذة ، فأردها خوفا من أن تشغلني عن اللّه عز وجل ، فكيف بمريد يجتهد في تحصيلها ؟
وقد بلغنا عن الشبلي رحمه اللّه أنه كان إذا أعجبه شيء من ثيابه ، يذهب إلى التّنور فيحرقه ، فيقال له : هلا تصدقت به ! فيقول : « ما أشغل قلبي فهو كذلك يشغل قلب غيري » وأجاب اليافعي رحمه اللّه عن مثل ذلك ، بأنه من باب ارتكاب أخف المفسدتين عند القوم . فإن زوال الدنيا كلها أهون عندهم من غفلتهم عن اللّه تعالى ، كما لو غص بلقمة ، ولم يجد ما يسيغها به ، فله أن يسيغها بخمر صيانة للجسم عن الهلاك ، فكذلك الحكم فيمن خاف على هلاك دينه يقدمه على هلاك دنياه .
قال الأشياخ : وإن كان ولا بد من الملابس الحسنة ، فليلبس الوسط لا رقيقا يصف البشرة ، ولا غليظا كالخيش ، وكذلك لا ينبغي له أن يلبس ثياب أهل الرعونات ، كالثياب التي فيها خطوط صفراء أو حمراء أو خضراء عملا بالعرف في ذلك ، وقالوا : إن مثلها لا يوجد من مال حلال ، والحرام يوقف المريد عن السير ؛ وإنما لبس صلى اللّه عليه وسلم البرود التي فيها خطوط صفر وحمر بيانا للجواز ، وكانت من حلال بإجماع .
قالوا : والحكمة في موافقة المريد للفقراء في اللباس ، طلب التشبه بهم ، فإنه كلما تشبه بهم قوي في الطريق ، وقالوا من تشبه بهم في الأحوال الظاهرة ، يرجى له حصول التشبه بهم في الأحوال الباطنة ، حتى إن المريد الصادق ربما يسرق جميع صفات القوم في مدة يسيرة .
قال الشيخ نجم الدين البكري : « وكان السلف الصالح يستحبون أن يكون قميص أحدهم ذا جيب ، ويكرهون السروال الواسع العباب ، بحيث لو شمره لطلع إلى الفخذ وجاوز الركبة ، وكذلك كانوا يكرهون للمريد أن يجعل علما على ثوبه من غير لونه بلا حاجة شرعية ، كأن يتخرق ولم يجد خرقة من لونه ، وما رقع السلف الصالح ثيابهم إلا اضطرارا ، فكانوا لا يجدون من الحلال ثوبا كاملا ، إلا في النادر ، فلذلك كان أحدهم يرقع ثوبه من الشراميط الحلال ، فيصير ثوبهم ذا ألوان مختلفة ، فهذا سبب لبسهم المرقعات » واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا دخل في عهد طريق القوم ، أن يغير هيئة لباسه المخالف لهيئة لباس الفقراء عادة من لبسه الفلاحين أو الجند أو المباشرين فقد قالوا : لا بد للمريد من فعل ثلاثة أمور :
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 55
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٥٥