الذكر كالزّمن « 1 » الذي يزحف تارة ويسكن أخرى مع بعد المقصد ، فربما قطع مثل هذا عمره كله ولم يصل إلى مقصود » وكان الجنيد رضي اللّه عنه إذا سأله فقير أن يدعو له يقول : « أسأل اللّه أن يدلك عليه يا أخي من أقرب الطرق » وذلك لينطفىء عنه نيران البعد والجفا ، ويتملى بشهود حضرة الحق جل وعلا ، ولو قبل موته بلحظة . وكان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول :
« من أدب الجماعة إذا كانوا يذكرون مع الشيخ أن لا يتعدوا إشارته ، فإذا أشار عليهم بالسكوت ، فمن الأدب أن لا يتمادى أحدهم في الذكر ما دام إحساسه باقيا ، فإن تمادى مع عدم الغيبة عن الحاضرين ، فذكره نفاق مغموس بسوء أدب ، فإن الشيخ لا يقول لهم اسكتوا إلا بعد استئذان الحق تعالى في ذلك على الوجه المعروف عند القوم ، ومخالفة إذن الحق خروج عن الأدب ، موجبة للعطب » واللّه أعلم .
تجنب المظاهر
ومن شأنه أن لا يكون له التفات قط إلى الاعتناء بظاهره من ملبس وغيره إلا بقدر الضرورة ، فمن نظر إلى ظاهره انقطع عن السير .
وقد رأى سيدي أحمد بن الرفاعي رحمه اللّه فقيرا هندم ثوبه ، وصف طباق عمامته على المناسب ، فقال : يا ولدي ، هذا خروج عن طريق الإرادة ، ومن كلامهم :
إذا رأيتم المريد في زيه لبق * فاعلموا أنه عن الاستقامة زلق
ويستحب أن يكون قميصه لا ينزل عن كعبه ، وأن يكون نظيفا واسع الأكمام وسطا ، وأن يكون موطّا أو مصبوغا ، كله أخضر أو أزرق أو أسود أو نحوها ، ولا ينبغي له لبس الثوب الأبيض إلا يوم الجمعة ، لا سيما إن كان يخدم نفسه ، أو غيره ، في البيت والزاوية مثلا ، وذلك لأن المريد يجب عليه أن يقلل من علائق الدنيا ، ومن الالتفات إليها ، وإلى التزين بملابسها ، والأبيض يحوجه كل قليل إلى غسله بالصابون ونحوه ، وذلك يحتاج إلى دراهم يشتريه بها ، والدراهم تحتاج إلى الحرف والصنائع ، أو سؤال الناس بحاله ، أو بمقاله ، فيأكل بدينه ، فكأنما عبد اللّه تعالى بعبادة أكل بها ولبس ، لأنه لولا العبادة التي يراه الناس عليها ما أكرموه ، وكل ذلك يقطع عن السير ويفتح باب التوجه إلى الدنيا .
وبالجملة فكل شيء تهواه نفس المريد في الدنيا يقطعه عن اللّه عز وجل . فيجب على المريد الصبر على وسخ الثياب وتخريقها حتى يزول وسخ قلبه ، فإذا زال فهناك يؤمر بنظافة
هامش
( 1 ) الزمن : الشيخ الكبير الضعيف المقعد .