أي لأن من أدب أهل الحضرة الصمت عن العبارات باللسان فمن لم يصمت وقع في سوء الأدب ، وفي مواقف البصري يقول اللّه عز وجل : « إذا لم ترن فالزم اسمي فإذا رأيتني فاصمت ، لأني ما شرعت لك أن تذكر اسمي إلا وسيلة للحضور معي ، فإن اسمي لا يفارقني » وقد سمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : « لا يفتح على المريد بشيء من المواهب ، وهو يستحضر في ذهنه شيئا من الكون ، إذ الفتح لا يكون إلا لمن شهد الحق تعالى بقلبه ، وغاب عما سواه »
فعلم أنه لا ينبغي للمريد قطع مجلس الذكر ، قبل أن تحصل له الغيبة عن الأكوان ، لأن من قطعه قبل هذه الغيبة ، فكأنه لم يذكر اللّه شيئا من حيث الثمرة التي هي الرقي ، وإن كتب له بذلك حسنات ، ومن هنا قال الشبلي رحمه اللّه : « من ذكر اللّه تعالى على الحقيقة نسي في جنبه كل شيء » وكان الجنيد يقول : « من شهد الخلق لم ير الحق ، ومن شهد الحق لم ير الخلق ، إلا أن يكون من الكمّل » .
وكان الزفي رحمه اللّه يقول : « كل ذكر لا يمتد زمانه فهو كالطعام الذي لا يسد جوعة الآكل » وكان يقول : « من الأدب أن لا يسكت الذاكر ما دام يستلذ بالذكر ، فإذا حصل له ملل ، فمن الأدب السكوت » كما أنه يكره له بعد الشبع أن يأكل ، وبعد الشبع المذهب للخشوع أن يصلي إلا بعد هضم ذلك ، بكثرة الذكر ، وذلك لأن جوارحه تصير عاصية عن كمال الإقبال على اللّه عز وجل ، فهي كعبادة المكره على حد سواء ، فكما لا يقبل إسلام الذمي مكرها ، كذلك لا تقبل عبادة العابد مكرها
هل ينوع المريد أوراده ؟
ومن هنا نوع الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، الأوراد للعبد ، فمن ملّ عن ورد انتقل إلى ورد آخر ، ولو مفضولا ، ولو لم يكن عند العبد ملل ، لم ينوع له الأوراد ، بل كان يأمره بذكر واحد على الدوام كالملائكة ، فافهم .
متى تطوى مقامات الطريق للمريد ؟
وكان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : « إذا ذكر المريد ربه بشدة وعزم ، طويت له مقامات الطريق بسرعة من غير بطء ، فربما قطع في ساعة ما لا يقطعه غيره في شهر وأكثر » وكان يقول : « السالك من طريق الذكر ، كالطائر المجدّ إلى حضرات القرب ، والسالك من غير طريق