تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١

شرف الهمة

ومن شأنه أن لا يقبل وقفا من امرأة ، ولا شيخ قد طعن في السن ، من أرباب الصنايع ، ولو أتوه به من غير سؤال ، لأن من شرط الطريق أن لا يصح لأحد دخولها إلا إن كان شريف الهمّة ، ومن رضي أن يكون تحت منة امرأة أو عاجز عن الكسب ، فهو دنيء الهمّة ، ومرتبته دون مرتبة تلك المرأة ، أو العاجز ، فهو بعيد عن الطريق . وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : « إذا رأيتم المريد يقرأ على قبور الموتى ، ويأخذ من النساء معلوما ، فانفضوا أيديكم منه ، ومن ترخص وعمل برخصة الشريعة في ذلك ، من غير حاجة ، فهو من أبناء الدنيا ، وأبناء الدنيا لا يفلحون في طريق الآخرة » . قال : وليس لشيخ أن يأخذ على هذا المريد عهدا ، ولا أن يلقنه ذكرا ، فإن فعل ذلك فهو كالاستهزاء بالطريق ، قال القشيري رحمه اللّه : « وقد تعددت وصايا جميع الأشياخ في سائر الأقطار إلى مريديهم أن لا يأخذوا وقفا من النسوان ، فإن في ذلك من المفاسد ما لا يخفى ، أقل ما في ذلك ، أن المريد يصير يميل إلى من أحسن إليه بحكم الطبع والشهوة ، فيتلف قلبه بالكلية ، واللّه غفور رحيم .

النهي عن مجالسة الغافلين

ومن شأنه التباعد عن مجالسة أبناء الدنيا من التجار والمباشرين ونحوهم ، فإن مجالستهم سم قاتل للمريد ، لضعفه ولكثرة غفلتهم عن اللّه تعالى ، واشتغالهم بأمور الدنيا ، من مطعم وملبس ومنكح وغير ذلك ، فيسرق طبع المريد منهم محبة العلائق الدنيوية ، والمريد إنما عمله على حذف العلائق ، وإن قدر أنهم ينتفعون بالفقير ، فهو نقص له ، قال تعالى :
« وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً »
. وما رأينا أحدا من المريدين خالط أبناء الدنيا إلا مات قلبه ، وعدم الميل إلى مجالس الذكر والخير ، وسهر الليالي ، ولم يصر له داعية إلى مثل ذلك ، وكان سيدي محمد الغمري رضي اللّه عنه إذا رأى مريدا يكثر الجلوس على باب المسجد مع أبناء الدنيا ، يخرجه من زاويته ، ويقول : « إنما جعلت الزاوية للعبادة وكفّ البصر عن رؤية الشهوات ، فمن جلس على باب الزاوية فلا فرق بينه وبين الجالس في السوق » وو اللّه إني لأتأثر على الفقير إذا رأيته قد تصرّمت حباله عن مجالس الخير ، أكثر مما يتأثر هو على فوات ذلك ، وأتكدر من جلوس الفقير على باب الزاوية لعلمي بأن ذلك يشتت القلب ويميته فاللّه يغفر لنا ولجميع من لم يقبل من الإخوان نصحنا ، إنه غفور رحيم .