ثم إنه قد لا يعان على ما عاهد ربه عليه من ذلك ، لعدم دخوله تحت شرعه الأصلي ، فإنه تعالى ما ضمن المعونة إلا لمن هو تحت أمره المشروع على ألسنة رسله ، وفي القرآن العظيم
« رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها »
فالخير كله في قدم الاتّباع والشر في الابتداع .
ومن شأنه أن يكون قصير الأمل وذلك حتى يجدّ في الطاعات ويجتنب المخالفات ، فإن من كان طويل الأمل لازمه التسويف بالخيرات والوقوع في المخالفات ، وتقول له نفسه : إذا قرب أجلك فتب إلى اللّه تعالى عن جميع المخالفات السابقة وكأنك لم تذنب قط ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ! وهذا من أكبر خداع النفس ، والواقع فيه أكثر من الكثير .
ومن هنا قالوا : إن الفقير ابن وقته ، لا نظر له إلى ماض ، ولا آت ، لأن نظره إليهما تفويت للوقت الحاصل ، وقد قالوا : كل من نظر إلى عمله بالتسويف ، خسر عمره وفاته الزرع ، فخسر الدنيا والآخرة واللّه غفور رحيم .
مقام التجرد
ومن شأنه أن لا يكون له التفات إلى معلوم وظيفة ، أو خراج رزق ، أو أجرة بيت ، ولا يعلق خاطره بشيء من ذلك ، ويجب عليه في الطريق مجاهدة نفسه ، حتى يصير لا التفات له إلى شيء دون اللّه تعالى . ومن لا يجاهد نفسه كذلك فلا يجيء منه شيء في الطريق ، إذ لا التفات إلى مضاد للرقى .
وفي كلام سيدي أحمد الرفاعي رحمه اللّه : « متلفت لا يصل ، ومتسلل لا يفلح ، ومن ير في نفسه النقصان ، فكل أوقاته نقصان » .
وكان أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول : « ظلمة الركون إلى المعلوم تطفئ نور الوقت » .
وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : « من جلس بين فقراء الزاوية ، والتفت إلى معلوم دنيوي ، وقف عن السير ، وأفسد ضعفاء فقراء الزاوية ، وكان عليه وزر ذلك ، فيجب عليه الخروج من الزاوية ، فإن وقفها أو ما يهدى إليها إنما هو بالإصالة لمن ترك الدنيا ، واشتغل بعبادة اللّه عز وجل . فلمحبّة الواقف أو المهدي في اللّه تعالى وقف أو أهدى ، حتى لا يلتفت إلى الفقير لغير ما هو بصدده ، وكل فقير أكل من ذلك مع عدم اشتغاله باللّه ، فقد أكل حراما بشرط الواقف فإنه لو رآه غير مشتغل باللّه لم يوقف عليه شيئا ، بل كان يقول له : اخرج واحترف مع السوقة واللّه أعلم .