بالإخلاص فيه ، وكذلك لا يجعل له مريد ، فلو أن كل مريد تصدر لإلقاء درس أو لتعليم الطريق قبل خمود نار بشريته والإذن له من شيخه ، فقد قطع به وضل وأضل ، وحجبت عنه الحقائق وعدم الخلق الانتفاع به .
وذلك لأن محبة الجاه والصيت الحسن قد أضلته فصارت مرآته منطمسة النور ، فلا يعرف الحق من الباطل ، ولا يدرك أحوال الطريق بذاتها ، ومثاله مثال من جلس في بيت مظلم ، وأخذ يتفكر فيما فيه من الأمتعة والهيئات فإنه بيقين يعجز عن إدراك كنهه وحقيقته ، فإذا دخل له مصباح أدرك جميع ما فيه من غير تفكر . فعلم أن كل شيخ جعل مريده واعظا أو إماما أو مدرسا فقد غشه إلا أن يكون له حال قاهرة تحفظ مريده من الآفات ، وهذا عزيز في فقراء هذا الزمان .
وربما رأى الشيخ أن ذلك المريد لا يجيء منه شيء في الطريق فتركه وما يهواه من المباحات أدبا مع اللّه الذي لم يقسم له أن يكون من أهل الطريق لا غشا لذلك المريد واللّه أعلم .
بين الشريعة والحقيقة
ومن شأنه أن يحافظ على آداب الشريعة والمشي على ظاهرها ما أمكن فإن الترقي كله في امتثال أمر الشارع ، وأما علم الحقيقة فحكمه حكم من يقول : السماء فوقنا والأرض تحتنا والنار حارة والثلج بارد ، ولكن يجب عليه أن لا يدع الشريعة تعترض عليه في شيء من أحواله ، وهذا أمر قد أغفله غالب من شم رائحة التوحيد من أهل هذا الزمان ، فيصير يتعدى حدود اللّه في مأكله وملبسه وكلامه وفعله ويقول : إن اللّه تعالى قد خلق ذلك لي ! وبعضهم ترك التوبة من سائر الذنوب وقال : ليس لي فعل حتى أتوب منه فهلك مع الهالكين وهو لا يشعر . وبعضهم صار يأكل حراما ويفطر في بيوت المكاسين في مثل شهر رمضان ويقول : الكل للّه تعالى ليس لأحد معه ملك وأنا عبده ، والعبد يأكل من مال سيده . وهذا كله زندقة لرفضه الشرائع ، ولو أنه كان يؤمن بها لما تجرأ على ذلك .
الولائم مهلكة
وكان سيدي إبراهيم المتولي لا يذهب بأحد من جماعته قط إلى وليمة عند أحد من الولاة ، ويقول : ارجعوا لا تهلكوا مثلي ، وكذلك أدركت جماعة من شيوخ الطريق كانوا يتورعون عن الأكل من طعام كل متهور في مكسه ، وكانوا ينكرون على من يرونه يأكل من مثل ذلك ، لا سيما سيدي الشيخ علي المرصفي رضي اللّه عنه ، كان يرسل يزجر كل فقير أكل عند أمير ، وكان للطريق وأهلها حرمة في زمنه رضي اللّه عنه ، فلما مات انحلت عرى الطريق ، وتهدمت قواعدها في مصر وقراها ، وصار بعض المشايخ ومن نسب إلى العلم يجلسون على