تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
موائد الظلمة المكاسين والكشّاف ومشايخ العرب وأعوانهم ، وبعضهم سداه ولحمته من طعامهم ولباسهم ، وكذلك أولاده وعياله ، وبعضهم صار يسأل هؤلاء الظلمة ، فإذا لم يعطوه ما طلب منهم غضب عليهم ، ومزق أعراضهم في المجالس ، ولو أن هؤلاء شموا رائحة من الطريق لم يستحل أحد منهم مقدار سمسمة من مال هؤلاء في أوقات الضرورات ، فضلا عن أوقات الاختيار ووجود السعة في الرزق من جوالي أو سموح أو زراعة أو غير ذلك . وقد رأيت من عمل له عرسا في زاوية ، وصار يرسل قاصده للولاة فيساعدونه بالعسل والأرز والبسلة ، ومن لم يعطه شيئا يغضب عليه مع أنه لا بس عمامة صوف ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .

تربية النفس

ومن شأنه مجاهدة نفسه دائما في ترك الشهوات ، فقد قالوا : من وافق شهوته عدم صفوته ، وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : « يا داود حذر وأنذر قومك أكل الشهوات ، فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة » يعني من جهتهم ، اللهم إلا أن يجاهد العبد نفسه إلى الغاية ، فإن الحق تعالى ربما تفضل عليه بعدم الحجاب عنه مع أكل الشهوات المباحة نعيما معجلا مما له في الآخرة ، من غير نقص من نعيمه الأخروي ، صدقة من صدقات الحق تعالى على العبد . وقد عدوا من فسق العارفين تبسطهم في الدنيا وشهواتها حال كمالهم ، لأن بذلك تضل أتباعهم ويكون وزرهم عليهم ، واللّه أعلم .

عاقبة نقض العهد

ومن شأنه حفظ عهده مع اللّه تعالى على ملازمة التوبة من كل ذنب ، فإن نقض العهد من أعظم الذنوب وهو معدود من أنواع الردة عن بعض دينه ، فيوشك أن يرتد عن دينه كله ؛ وقد ورد « المعاصي بريد الكفر » أي مقدمته وفي الحديث « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرى أقواما من أمته يوم القيامة قد أخذ بهم ذات الشمال فيقول : يا رب أمتي ! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، فيقول صلى اللّه عليه وسلم : سحقا سحقا » قال بعض العلماء : وهؤلاء لم يرتدوا عن أصل الدين ، وإنما ارتدوا عن فعل شيء من فروعه ، بدليل أنه صلى اللّه عليه وسلم يشفع فيهم إذا سكن الغضب الإلهي وموافقة له .

الخير في الاتباع والشر في الابتداع

قال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه اللّه : « لا ينبغي لمريد أن يعاهد اللّه تعالى على فعل شيء مما لم يكلفه اللّه تعالى به ، فإن في مكروهات الشريعة ما يغني عن ذلك » .