تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ورد عليهم ، وإنما يمتحنونه السنة وأكثر قبل أن يجيبوه للأخذ عنهم وقالوا : كل مريد لم يمتحنه شيخه قبل الأخذ لا يفلح في الغالب لأنه يدخل الطريق بغير أدب ولا تعظيم لها فرفضته الطريق ولو على طول بخلاف من دخلها مع التعظيم وشدة الشوق ، وفي القرآن
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ »
الآية . وحكم المريد إذا جاء مهاجرا إلى أن يطلب الطريق كذلك بجامع أن كلا منهما دلالة على الهدى وقد أخبر شيخنا الشيخ محمد الشناوي الأحمدي رحمه اللّه تعالى : « أنه لما طلب الطريق سافر من بلاد الغربية إلى فارس كور ليأخذ الطريق عن الشيخ أبي الحمايل فلم يلتفت إليه الشيخ ولا بشّ في وجهه فلما رأى الشيخ شدة رغبته أدناه وقربه ، وقال له : يا محمد أنا أحب الخير لك ولغيرك ، وإنما أردت امتحانك بما وقع لتدخل الطريق بالتعظيم لها ولأهلها » وكان شيخنا يقول : « واللّه لو زاد الشيخ في الجفاء سنين عديدة لصبرت له ولم أبرح عن بابه » . وكان الشيخ أبو الحمايل رحمه اللّه يقول : « لقنت الذكر لنحو عشرة آلاف نفس فما عرفني وصح معي غير ابن الشناوي » فانظر يا أخي فعل الصادقين واقتد بهم واللّه يتولى هداك . ومن شأنه أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء خرج عنه من أمور الدنيا إذا دخل في الطريق بل الواجب عليه أن يربط الدنيا كلها في صرة ويرميها في بحر الإياس وليتساوى عنده الذهب والتراب في عدم الترجيح والميل فيكون الذهب عنده كالتراب ، وذلك حتى لا ينافس أهل الدنيا ولا يزاحمهم على تلك الجيفة فمن نافسهم وزاحمهم نجسته كلاب الدنيا بعضّه وخربشته والهبهبة عليه وأشغلوا فكره وكدروا وقته فانقطع عن السير . وكان أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول : « كل مريد بقي في قلبه ميل لشيء من عرض الدنيا وشهواتها فاسم الإرادة له مجاز لا حقيقة » . وقبيح بالمريد أن يخرج من رأس فتنته في دينه ثم يرجع إليها بعد ذلك ويكون أسير دينار ودرهم أو دار ووظيفة بل الواجب على المريد أن يكون وجود الدنيا وعدمها عنده سواء وذلك حتى لا يضايق أحدا عليها ولو مجوسيا ؛ وإيضاح ذلك أن رزق اللّه تعالى الذي قسمه لعبده لا يعرفه عبده إلا بأكله أو شربه أو لبسه مثلا وأما قبل ذلك فلا علم له به حتى يزاحم عليه ، وبتقدير علمه بأنه رزقه فلا ينبغي له منازعة أحد فيه لأنه لا يقدر أحد أن يأخذه منه ولا يأكل منه لقمة ، وأيضا فأهل المنازعة على الدنيا إنما هو من شدة الحرص ، فصاحبه يحرص أن يكون كل شيء له دون غيره ولا ينبغي ذلك من فقير إنما يقع ذلك من أبناء الدنيا فإن أحدهم كالأعمى الذي يصدم الحيطان فكل شيء أحس به قبض عليه ومن كان كذلك فهو لا يصلح للطريق ، فإياك يا أخي والالتفات لشيء من الدنيا التي تشغلك