تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
إلى آخر ما قال واللّه أعلم . ومن شأنه إذا كان مقيما في زاوية أو سوق أن يجعل رأس ماله الاحتمال والصفح عن كل من أتى إليه بمكروه بطيبة نفس ، ويتلقى كل ما يستقبله من أهل الزاوية أو السوق وغيرهم بالرضى والتسليم ، فإن لم يستطع فبالصبر لا أنزل من ذلك ، فإن لم يصبر على جفاء الإخوان لا يصلح للطريق فليخرج إلى العامّة ويترك طريق القوم . وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : « كان أبو يزيد لا يقيم إلا في موضع ينكر الناس عليه فيه ويؤذونه ويحتقرونه ليروض نفسه بذلك وكلما عظموه وشكروه كلما هرب من مخالطتهم » ولعل ذلك كان في بدايته رضي اللّه عنه . ومن شأنه إذا لم يجد أحدا يتأدب به في بلده من الشيوخ يهاجر من بلده إلى من هو منصوب لإرشاد المريدين في ذلك الزمان ولو كان بينه وبينه مسيرة سنة وأكثر لا سيما إن كان مبتليا بحب حدث أو امرأة أو جاه ، فإنه يجب عليه السفر جزما ليخلصه من تلك الورطة فإن كل ما يتوصل به إلى الواجب فهو واجب .

هل يتخذ المريد له شيخا آخر بعد وفاة شيخه الأول ؟

ومن الواجب عليه إذا مات شيخه أن يتخذ له شيخا يربيه زيادة على ما رباه الشيخ الأول ، فإن الطريق لا قرار لها ولما مات الشيخ محمد السروي شيخ شيخي الشيخ محمد الشناوي وكان شيخه قد أذن له في إرشاد المريدين وتلقينهم اجتمع بسيدي علي المرصفي وتلقن عليه وقال له سيدي علي : أنت بحمد اللّه قد بلغت مبلغ الرجال فلا تحتاج إلى تلقين ، فقال : لا أحبّ أن أمكث ساعة واحدة بلا أستاذ مع أنني من جملة من كان تلقن عليه وأذن لي في الإرشاد ثم قال لي : « يا ولدي تلقن أنت الآخر على شيخ شيخك ليكون أنا وإياك من جملة تلامذة علي » ففعلت ، وهذا الأمر لا يقع إلا من الصادقين في الطريق أما غير الصادقين فلا تسمح نفوسهم بعد الإذن لهم من شيوخهم أن يتلقنوا على أحد وذلك من أكبر علامات الخذلان وهو من أول دليل على أن شيخهم غشهم في الإذن لهم ، فإن الفقير الذي صح الإذن له لا يكون له نفس ولا يوافقها في حظ فهو يربي الناس ويرشدهم ويرى نفسه دونهم مع رضى اللّه عنه .

امتحان المريد

ومن شأنه إذا سافر إلى شيخ ليأخذ عنه الطريق فقابله الشيخ بالجفاء والتعبيس في وجهه أن يصبر ولا يتزلزل ، بل يجلس مطروح النفس على بابه حتى يرحمه شيخه ولو مكث على ذلك الجفاء سنة وأكثر لا يبرح عنه ، فإن الطريق عزيزة عند أهلها لا يجوز لهم الترخص فيها لكل من