تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الفقراء يقع بصره عليه ، فوقع بصره على كلب على باب المسجد ، فانقادت إليه جميع الكلاب في مصر وصارت تمشي معه حيث مشى وتقف معه حيث وقف ، وصار الناس ينذرون البقر وغيرها للكلاب ، فأرسل الشيخ وراء ذلك الكلب ، وقال له : اخسأ ! فتفرقت عنه الكلاب لوقته ، وقال : « لو أن تلك النظرة وقعت على آدمي لصار إماما يقتدى به » . قالوا : وينبغي له أن لا يسافر قبل أن تقبله الطريق فإن السفر للمريد سم قاتل ، وكان الإمام القشيري رحمه اللّه يقول : « إذا أراد اللّه بمريد خيرا ثبته في موضع إرادته وأدام عليه طريق مجاهداته وإذا أراد به شرا رده إلى حالته قبل التوبة وأشغله بالدنيا عنه » وكان يقول أيضا : « الخير كل الخير في العكوف على عتبة الشيخ ، وإذا أراد اللّه بعبد شرا شتته في مطاوح غريبة ، قبل أن يتمكن في أمور ربه » وغاية أمره في سياحته حجاب يحصلها خالية عن الآداب المطلوب فيها أو زيادة مواضع يرتحل إليها أو لقاء أشياخ من غير أن يتقيد بأحد منهم بالتربية ، فمثل هذا لا يكلف المشي على مراسم الطريق لأن اللّه تعالى لم يرد أن يرقيه إلى مقامات الرجال إذ لو أراد له ذلك لقيده على خدمة شيخ يبايعه على السمع والطاعة في المبسط والمكره واللّه أعلم .

معالجة النفس

ومن شأنه مكايدة خواطره ومعالجة أخلاقه ونفي الغفلة عن قلبه بمداومة الذكر ، إما لكثرة تلاوة القرآن والصلاة ، فلا يعول المريد الصادق عليه لأن القرآن إنما هو ورد الكمال ، وكذلك الصلاة ، وأما المريد فإنما عمله الدائم في تنظيف ظاهره وباطنه عن الصفات التي تمنعه من دخول حضرة اللّه عز وجل كالغضب وعز النفس والكبر والعجب والحسد ونحو ذلك ، فإذا تطهر المريد من هذه الصفات فهناك يصلح له تلاوة القرآن ومجالسة الحق جل وعلا ، والوقوف بين يديه في الصلاة وغيرها ، هذا ما درج عليه السلف الصالح .

ذكر اللّه جلاء القلب

سمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : قد عجز الشيوخ فلم يجدوا للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة ذكر اللّه عز وجل فحكم الذاكر كمن يجلي النحاس المصدىء بالحصا وحكم غير الذاكر من سائر العبادات كمن يجلي النحاس بالصابون ، فهو وإن كان ساعيا في الجلاء بالصابون لكن يحتاج ذلك إلى طول زمن وقد أنشد سيدي عمر في كلمة التوحيد :
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي * بها لطريق العزم من لا له عزم
ويكرم من لم يعرف الجود كفّه * ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 43 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى