الأخذ بالأحوط
ومن شأنه أن يأخذ بالأحوط في دينه ويخرج من خلاف العلماء إلى وفاقهم ما أمكن ، مبادرة على وقوع عباداته صحيحة على جميع المذاهب أو أكثرها ، فإن رخص الشريعة إنما جعلت للضعفاء وأصحاب الضرورات والأشغال ، وأما القوم فليس لهم شغل إلا مؤاخذة نفوسهم بالعزائم ، ولذلك قالوا : إذا انحط الفقير عن درج الحقيقة إلى رخص الشريعة فقد فسخ عهده مع اللّه تعالى ونقضه . ومن شأنه أن يخفي أحواله التي تكون بينه وبين اللّه تعالى ما أمكن ، حتى يرسخ في مقام مراعاة اللّه تعالى وحده دون أحد من خلقه ، فلا يكاد أحد يأخذ من الفقير الصادق مقاما ، ولا يعرف له حالا من شدة كتمانه ، وقد ورد فقير على سيدي محمد الشربيني ، فأنشد بين يديه :
وكم من فتى يرمي مرامي بعيدة * وهو بين أطناب الخيام مقيم
فصاح الشيخ وقام وقبض على ذلك المنشد وصار يقول : « من أين علمت ذلك ؟ »
وقد أجمع أهل الطريق على أنه إن لم يكن المريد غير ملاحظ للحق في الباعث على أعماله لا يجيء منه شيء وأجمعوا أيضا على أن كل مريد أحبّ الظهور أن يطّلع الناس على كمالاته فهو مقطوع به لا سيما إن صار الناس يتبركون به فإنه يهلك بالكلية .
ومن شأنه أن يوطن نفسه على تحمل الشدائد في الطريق ، وأنه لا ينصرف عنها إلى غيرها إذا أصابته الأسقام والآلام والفاقات والبلايا المتلاحقة ، وأنه لا يترخص عند هجوم الفاقات والضرورات أبدا . وكثيرا ما يحصل للمريد نفرة الخلق منه إذا دخل طريق القوم ويتسلطون على عرضه بالبهتان والزور فيأتيه الشيطان ويقول له : كنت غنيا عن طلب هذه الطريق ، وكم سنة لك وأنت في راحة من الناس ، ولا يذكرونك إلا بخير ، ولا يقعون في إثم بسببك ! فيفسخ ذلك المريد عهده ويرجع عن الطريق ، فيحصل له التمزيق ، فلا يصير يصلح للطريق ولا لغيرها ، فليثبت المريد على الطريق ولا يتزلزل بالحق بالمحن فيها فإن ذلك من الشيطان واللّه أعلم .
ملازمة الشيخ
ومن شأنه إن كان له شيخ أن يلازمه وإن جاهد على أن تكون خلوته تجاه باب الشيخ ليقع بصره عليه كلما خرج فذلك دليل على سعادته ، فربما صيرته نظرة من النظرات ذهبا إبريزا أغنته عن المجاهدة ، كما وقع لسيدي يوسف العجمي أنه خرج يوما من الخلوة فلم يجد أحدا من