ومن شأنه أن يجعل رأس ماله حذف العلائق الدنيوية فإن من كان له علاقة دنيوية فقلّ أن يفلح ، لأن تلك العلاقة تجره إلى وراء ، ومن هنا قالوا : « من شرط التائب بعده عن إخوان السوء الذين كانوا أصحابه في المعاصي قبل أن يتوب منها ، لأن القرب منهم ربما جره إلى الرجوع إلى فعل ما كان تاب منه » .
وكان الإمام القشيري رحمه اللّه يقول : « يجب على المريد أن يكون عمله دائما في فراغ القلب من الشواغل ، ومن أعظمها الخروج عما بيده من المال ، لأنه يميل به عن طريق الاستقامة لضعفه ، فليس له أن يمسك المال إلا بعد كماله في الطريق » قال : « وقد أعجز الشيوخ عن أن يسيروا بمريد ومعه علاقة ، فسيرهم به ضعيف ربما يفني العمر ولم يصلوا به إلى مقام الكمال الذي يريده » .
الفقه في الدين مفتاح الطريق
ومن هنا قالوا للمريد : تفقه في دينك أولا ثم تعال ادخل الطريق « 1 » وذلك ليقل التفاته إلى غير الطريق ، فربما شرع في مجلس ذكر مثلا فصار درسه يدعوه إلى مطالعته ، والحضور مع الطلبة ، وكثرة الجدال ، وذلك يفرق عن المعنى المقصود في الطريق ، من دوام المراقبة للّه تعالى وحده ، على أن غالب دقائق العلوم يدخلها حظوظ النفس ، ومبنى الطريق كلها على مخالفة النفس واللّه أعلم .
ومن شأنه أن يكون له شاهد من حاله في كل مقام ادعاه أو تظاهر به ، فإن ادعى المحبة للّه كان لونه يميل إلى الاصفرار ، وإن ادعى الزهد في الدنيا كان مجانبا للأشرار ، وإن ادعى الجوع كان جسمه مائلا إلى الإضمار ، قال الشريف الأحمدي : « وقد كنا في مجمع من الفقراء في تربة البهنسا نزور الصالحين ، وإذا شاب قد أقبل علينا مضمر ، ولونه أصفر وعليه لوائح الصلاح ، فأنشد منشد الفقراء لما رآه :
من الشوق مضنى ما يزال مسقما * له عند تغريب النجوم أنين
فصاح الشاب وضرب بيده عمودا فانفلق فحرك شوق كل من كان هناك » .
فعلم أن كل فقير « 2 » لم يعان الجوع والمجاهدة لازمه الجمود وكثافة الحجاب ولو سمع القرآن لا يكاد يتعظ بشيء من زواجره لغلظ حجابه واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) اشترط رجال التربية الصوفية على مريديهم دائما الإحاطة بالعلم الديني ، لأن التصوف والعلم قرينان لا يفترقان وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » .
( 2 ) كلمة فقير : يراد بها الفقير إلى اللّه سبحانه . وتستعمل صفة للصوفي .