تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
القوم أظهر من حجج غيرهم لتأيدها بالكشف ، ولم يكن منهم أحد في عصر من الأعصار إلا وعلماء ذلك الزمان يتواضعون له ويعملون بإشارته ، ويطلبون منه تفريج كربهم في الشدائد ، ولولا شهود العلماء من الصوفية أمورا تؤذن بعلو مقامهم عليهم ، لكان الأمر بالعكس » وقد بسطنا الكلام على ذلك في قواعد الصوفية الكبرى واللّه أعلم .

هل للمريد أن يتخذ أكثر من شيخ ؟

ومن شأنه أن لا يكون له إلا شيخ واحد ، فلا يجعل له قط شيخين ؛ لأن مبنى طريق القوم على التوحيد الخالص ، وقد ذكر الشيخ محيي الدين في الباب الأحد والثمانين ومائة من الفتوحات المكية ما نصه : « اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له إلا شيخا واحدا لأن ذلك أعون له في الطريق ، وما رأينا مريدا قط أفلح على يد شيخين ، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف بين رسولين ولا امرأة بين زوجين ، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين » ، هذا كله في مريد تقيد بشيخ بقصد سلوكه الطريق ، وأما من لم يتقيد فهو متبرك بالشيخ فقط ، فمثل ذلك لا يمنع من الاجتماع بأحد . وقد كان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه تعالى يقول : « من ابتلي بصحبة شيخين فأكثر ، فليجعل شيخه الحقيقي في حاشية قلبه ، بجانب محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه نائب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نصح أمته وإرشادهم إلى طرق الهدى » وكان أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه يقول : « من لم يكن له أستاذ واحد فهو مشرك في الطريق ، والمشرك شيخه الشيطان » وكان أبو علي الدقاق رضي اللّه عنه يقول : « إنما كان الإنسان لا يقدر على سلوك طريق القوم بغير شيخ لأنها طريق سلوك في الغيب ، أو غيب الغيب ، والشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غارس لا ينتفع أحد بثمرها ولو أورقت بل ربما لا تثمر أبدا ، وانظر يا أخي إلى سيد المرسلين على الإطلاق كيف كان جبريل عليه السلام واسطة بينه وبين اللّه تعالى في الوحي تعرف أن اتخاذ الشيخ واجب لا يستغني المريد عنه » . قال أبو يزيد : « ولقد أخذت طريقي عن شيخي نفسا بنفس » ثم لا يخفى أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابع التابعين ، إنما لم يكونوا يتقيدون بشيخ واحد بل هم كان أحدهم يأخذ عن مائة شيخ لأنهم رضي اللّه عنهم كانوا مطهرين من الأدناس والرعونات ، فكان كل واحد منهم كاملا لا يحتاج إلى من يسلكه ، فلما كثرت الأمراض واحتاجوا إلى علاجها أمرهم الشيوخ بالتقييد على شيخ واحد لئلا يتبدد حال المريد وتطول عليه الطريق ، فاعلم ذلك .