أن يجد في قلبه بعدها لذة لا يقدر قدرها فمن لم يجد في قلبه لذة بعدها فهو كاذب في تركها ، ولعله يرجع إلى الذنب عن قريب » .
ومن شأنه أن يلازم على عدم الإخلال بأركان الطريق وشروطها ، ومتى انهدم ركن منها أو شرط تبعه الباقي ، وقد تقدم أن أركان الطريق أربعة : الجوع ، العزلة ، الصمت ، والسهر ، وما زاد على هذه الأربعة فهو من التوابع ، وقالوا : من ضيع الأصول حرم الوصول ، فاعلم ذلك .
كيف يختار المريد شيخه ؟
ومن شأنه أن لا يتتلمذ إلا لشيخ قد تضلع من علوم الشريعة وذلك ليكفيه عن الاجتماع على غيره ، وقد أخبرني شيخنا الشيخ محمد الشناوي رحمه اللّه ، أنه قال يوما لشيخه سيدي محمد السروي : « مرادي أن أزور الشيخ فلان ، فعبس الشيخ في وجهه وقال : يا محمد إذا كنت لا أكفيك فكيف اتخذتني شيخا لك ؟ ! قال : فمن ذلك اليوم ، ما زرت غيره حتى مات » فعلم أن من جرى عليه المقدور ودخل في عهدة شيخ لم يتضلع من علوم الشريعة فلا حرج عليه في الاجتماع بغيره ، كما هو حال أكثر مشايخ هذا الزمان ، وعلى ذلك يحمل كلام أبي القاسم القشيري رحمه اللّه في قوله : « ويقبح على المريد أن ينتسب إلى مذهب أحد غير شيخه ، بل يقلد شيخه فقط » فإنه بيقين محمول على شيخ قد تبحر في علوم الشريعة فلا يقبح على المريد الانتساب إلى غيره بل ذلك واجب عليه .
الصوفي فقيه
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل مع جلالة قدره إذا توقف في مسألة يقول لأبي حمزة البغدادي رضي اللّه عنه : « ما تقول في هذه المسألة يا صوفي ؟ » فمهما قال له اعتمده ، وكفى بذلك منقبة لمشايخ الصوفية . وكذلك بلغنا عن القاضي أحمد بن شريح أنه كان يعترف بفضل أبي القاسم الجنيد ويجلس في حلقته ويقول إذا سئل عن كلامه : « إني لم أفهم منه شيئا ، ولكن صولة الكلام ليست بصولة مبطل » .
وقد كان الشيخ أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه يقول : « لو علمت أن للّه تعالى علما تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي بأيدي الصوفية لسعيت إليه » وكان يقول : « ما نزل علم من السماء وجعل اللّه تعالى للخلق إليه سبيلا إلا وجعل لي فيه حظا ونصيبا » وكان أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول : « قد درج أشياخ الطريق كلهم على أن أحدا منهم لم يتصدر قط للطريق إلا بعد تبحره في علوم الشريعة ووصوله إلى مقام الكشف الذي يستغنى به عن الاستدلال ، وما انتسب مريد إلى غيرهم وقرأ عليه العلوم دونهم إلا لجهله بمقامهم ، فان حجج