احذر نفسك
ومن شأنه مخالفة هوى نفسه فلا يوافقها قط فيما تهواه ، وقد أجمع الأشياخ على أن رأس مال المريد مخالفة نفسه ، ومن أطلق عنان نفسه فيما تهواه ، فقد أهلكها ، وكان أبو حفص رحمه اللّه يقول : « من لم يتهم نفسه على دوام الحالات ، ولم يخالفها في جميع شهواتها ، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر الأوقات ، فهو معذور في سائر الحالات » وكان أبو بكر الطهسناني يقول : « أعظم حجاب بينك وبين ربك موافقة نفسك » وكان ابن عطاء يقول : « من طلب عوضا من اللّه على عبادته استحق الطرد والمقت » وكان ابن شيبان يقول : « ما أكل عبد شهوة إلا حجب عن شهود ربه ، قال : ولقد مكثت عشرين سنة ، أشتهي أكلة عدس فلم يتفق لي أكلها ، ثم إني أكلتها وخرجت فأخذني أعوان السلطان وقالوا : هذا كسر جرار الخمر مع جماعة السلطان بالأمس ، فضربوني مائة خشبة ، ثم مرّ عليّ أستاذي أبو عثمان المغربي فقال : ماذا صنعت حتى وقع لك هذا ؟ فقلت : أكلت شهوة ! فقال الشيخ : أطلقوه فأطلقوني ، وقال لي : نجوت إن شاء اللّه مجانا » .
وكان السري السقطي رحمه اللّه يقول لي : « أكثر من أربعين سنة ونفسي تطالبني أن أغمس جزرة في دبس فلم أطعمها ذلك ، وكان يقول : من صدق في ترك شهوة ، كفاه اللّه تعالى موتها » وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « يا داود حذر وأنذر قومك أكل الشهوات ، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني » وفي رواية « يا داود إن أهون ما أنا صانع بعبدي إذا آثر هواه على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي » .
وكان إبراهيم الخواص رحمه اللّه يقول : « من اتباع الهوى أن يعبد العبد ربه لطلب ثواب أو خوفا من عقاب فلا يزداد صاحب هذا القصد على مرور الزمان إلا إدبارا » وفي بعض الكتب الإلهية يقول اللّه عز وجل : « ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ، لو لم أخلق ألم أكن أهلا لأن أطاع » ؟ .
قلت : من اتباع الهوى إيثار النوم على قيام الليل في مثل ليالي الصيف ، وذلك دليل على عدم محبة اللّه عز وجل ، ومن لا يحب اللّه فهو عدو اللّه لأن اللّه تعالى قد أوحى إلى داود عليه السلام : « يا داود كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني » فشهد الحق على أن من ينام من غير غلبة بأنه كاذب في محبته .
دليل التوبة الصادقة
وكان إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه يقول : « من علامة صدق العبد في التوبة عن ذنب