تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وقد كان الإمام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يضع كثيرا الحجر « 1 » في فيه حتى يقل كلامه ، فكان كلما أراد أن يتكلم لغوا تذكر بالحجر ، وقيل إنه وضع الحجر في فيه كذا سنة . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم » والحمد للّه رب العالمين . ومن شأنه كثرة الجوع بطريقه الشرعي ، وهو معظم أركان الطريق ، فكما أن الشارع جعل معظم الحج عرفة ، كذلك أهل اللّه جعلوا الجوع هو الطريق .

أركان الطريق

وأركان الطريق أربعة أشياء : الجوع ، والعزلة ، والسهر ، وقلة الكلام ، وإذا جاع المريد تبعه الأركان الثلاثة بالخاصية ، إذ الجوعان من شأنه أن يقل كلامه ، ويكثر سهره ، ويحب العزلة عن الناس . وأنشدوا :
بيت الولاية قسمت أركانه * ساداتنا فيه من الأبدال
ما بين صمت واعتزال دائما * والجوع والسهر النزيه الغالي
وكان أبو القاسم القشيريّ رحمه اللّه تعالى يقول : « إنما أساس باب الطريق الجوع لأنهم لم يجدوا ينابيع الحكمة تحصل لهم إلا به » وقد كانون يتدرجون في تقليل الأكل شيئا فشيئا حتى وصلوا إلى أكل لقمة واحدة كل يوم وليلة ، وبعضهم وصل إلى تمرة أو لوزة أو زبيبة ، وكان أبو عثمان المغربي رحمه اللّه تعالى يأكل كل ستة أشهر أكلة واحدة « 2 » ، قال الشيخ محيي الدين في الفتوحات المكية : « وقد بلغنا أن اللّه تعالى لما خلق النفس قال لها : من أنا ؟ فقالت له : فمن أنا ؟ فأسكنها في بحر الجوع أربعة آلاف سنة ، ثم قال : من أنا ؟ فقالت : أنت ربي » . وكان سهل بن عبد اللّه التستري لا يأكل إلا بعد خمسة عشر يوما ، وكان إذا دخل رمضان لا يأكل حتى يرى هلال شوال ، وكان يفطر كل ليلة من رمضان على الماء فقط ليخرج من الوصال في الصوم ويقول : « لما خلق اللّه الدنيا جعل في الجوع العلم والحكمة ، وجعل في الشبع الجهل والمعصية » وكان رحمه اللّه تعالى إذا جاع قوي ، وإذا شبع ضعف . وكان أبو سليمان الداراني يقول : « مفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع » يعني أعمالها وكان يحيى بن معاذ يقول : « الشبع نار ، والشهوة مثل الحطب ، يتولد منه الإحراق ولا ينطفئ ناره حتى يحرق صاحبها » . وكان سهل بن عبد اللّه يقول : « من أراد أن يأكل في كل يوم مرتين ، فليبن له معلفا » وكان مالك بن دينار رحمه اللّه يقول : « من أراد أن يفر الشيطان من ظله
هامش
( 1 ) يريد الحصى الصغير . ( 2 ) هذا مقام الصفوة من المجاهدين الروحانيين ، وليس نهجا عاما للسالكين .