شأنها الدعاوى الكاذبة ، فربما ادعت الصدق في التوبة وهي كاذبة ، فلا يقبل في ذلك إلا بشهادة شيخه له بالصدق في كل مقام ادّعاه في التوبة ، حتى يصل إلى مقام يتوب كلما غفل عن شهود ربه طرفة عين ، ثم يترقى في مقامات التعظيم للّه تعالى أبد الآبدين ، ودهر الداهرين ، لا يقف في التعظيم على مقام ، ولا قرار ، وهذا غاية ما قالوه في التوبة .
فهي التوبة عن الكبائر ، ثم الصغائر ، ثم المكروهات ، ثم من خلاف الأولى ، ثم من رؤية الحسنات ، ثم من رؤية أنه صار معدودا من فقراء الزمان واللّه أعلم .
ومن شأنه ملازمة المجاهدة لنفسه فلا يصطلح معها أبدا ، وقد كان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه اللّه يقول : « من زين ظاهره بالمجاهدة ، زين اللّه باطنه بالمشاهدة ، ومن لم يجاهد نفسه في بدايته لا يشم من الطريق رائحة » لأن من خصائص طريق أهل اللّه تعالى أن العبد إذا لم يعط الطريق كله لا تعطه الطريق بعضها .
وكان أبو عثمان المغربي رحمه اللّه يقول : « من ظن أنه يفتح عليه بشيء من هذه الطريق بغير مجاهدة ، فقد رام المحال » وكان أبو عليّ الدقاق يقول : « من لم يكن له في بدايته قومة لم يكن له في نهايته جلسة » . وكان الحسن العرار يقول : « بنيت طريق القوم على ثلاثة أشياء ، أن لا يأكل مريدها إلا عند الفاقة ، ولا ينام إلا عند الغلبة ، ولا يتكلم إلا عند الضرورة الشرعية » وكان سيدي إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه يقول : « لا ينال الرجل درجة الصالحين حتى يكون فيه ست خصال : المجاهدة للنفس ، والذل لها ، والسهر ، ومحبة التقلل من الدنيا ، والفرح بإدبارها ، وقصر الأمل » . وكان الشبلي رحمه اللّه يضرب نفسه بقضبان الخيزران إذا جاءه النوم حتى ربما فنيت الحزمة كلها قبل الفجر ، وكان كثيرا ما يكتحل بالملح حتى لا يأخذه النوم ، وكان كثيرا ما يضرب يديه ورجليه في الحائط ، إذا لم يجد شيئا يضرب به نفسه ، وكان يقول :
« ما هالني شيء إلا وركبته » .
قلت : وهذه الأمور لا ينبغي لأحد الاعتراض على أربابها لأنها من باب ارتكاب أخف المفسدتين عندهم ، فهم يرون احتمال شدة الألم أخف عليهم من احتمال الغفلة عن اللّه بنوم أو غيره ، عكس ما عليه غيرهم واللّه أعلم .
ومن شأنه أن لا يتكلم ولا يسكت إلا بضرورة أو لحاجة شرعية وسد باب الكلام اللغو جملة ، وقد عدوا قلة الكلام من أحد أركان الرياضة وكان بشر بن الحارث يقول : « إذا أعجبك الكلام فاسكت وإذا أعجبك السكوت فتكلم ، فإن في الكلام حظ النفس ، وإظهار صفات المدح » .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 35
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٣٥