أحيا سنتي فقد أحياني ، ومن أحياني كان معي في الجنة » « 1 » .
وقال الشيوخ : مقاساة الجوع والصبر عليه سهل ، ومعالجة الأخلاق والتنقي من سفسافها شديد ، والمراد بالغش : الغل ، والحقد ، والبغض ، والحسد ، وسوء الظن ، ولا يقدر على تصفية صدره من هذه المذمومات إلا من زهد في الدنيا وفي الرئاسة ، فإن متبع ذلك من حب الدنيا ، ومن حب الرئاسة .
ومن هنا ظهر فضل الصوفية وكمال شرفهم على غيرهم لزهدهم في الدنيا وفي محبة الرفعة عند أهلها ، ولاستمساكهم من التقوى بأوثق العرى .
فعلم أن من زهد في الدنيا ، واستمسك بالتقوى صارت نفسه مأمونة الغائلة من الغل والحقد والبغض والحسد وسائر المذمومات ، فهذا حال الصوفي .
وقال بعضهم : مجمع حال الصوفية أمران هما وصف الصوفية :
وإليهما الإشارة بقوله تعالى :
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
[ الشورى : 13 ]
فقوم من الصوفية خصوا بالاجتباء الصّرف ، وقوم منهم خصوا بالهداية بشرط مقدمة الإنابة .
فالاجتباء المحض غير معلل بكسب العبد ، وهذا حال المحجوب المراد يناديه الحق سبحانه بمنحة ومواهبه من غير سابقة كسب منه ، يسبق كشفه اجتهاده .
وأما أهل الهداية الذين شرط الحق سبحانه وتعالى لهم الإنابة فقال تعالى :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
[ الشّورى : 13 ] فقد طولبوا بالاجتهاد وقال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في « سننه » عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، كتاب العلم ، باب ما جاء بالأخذ بالسنة واجتناب البدع ( 4 / 470 ) برقم ( 2678 ) وقال : حديث حسن غريب من هذا الوجه .