عموم خمس من الغيب لا يعلمهن إلا اللّه فيطلع اللّه الولي على ذلك مع أنّ عموم ما ذكر خص بقوله تعالى :
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 ] وفائدة هذه الحكاية أنّه كان في مجلس الدينوريّ من ينكر خرق العوائد فيما ذكر فأتى اللّه به جهارا مرتبا على سؤال وجواب ليرجع إليه من ينكره وينتفع به ، ويتقوى به يقين من ينظره . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : كان أبو العباس الدينوريّ يتكلم ) للرجال والنساء ( في مجلسه يوما فصاحت امرأة تواجدا ) بما سمعته منه من الحكم وذكر مقامات القرب إلى اللّه تعالى فكره منها ذلك بحضرة الرجال ( فقال لها : ) إن كنت صادقة مغلوبة ( موتي فقامت المرأة فلما بلغت باب الدار التفتت إليه ) ورجعت إلى اللّه بالاضطرار أن لا يفضحها وأن يميتها لتسلم من نسبتها إلى العار والتكلف لأحوال الفقراء فأجاب اللّه دعاءها وفاء بقوله تعالى :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ
[ النمل : 62 ] ( وقالت : قد مت ووقعت ميتة ) نفعنا اللّه بها وبأمثالها . ( وقال بعضهم : كنت عند ممشاد الدينوريّ عند وفاته فقيل له : كيف تجد العلة ) التي بك ( فقال ) لهم : ( سلوا العلة عني كيف تجدني ) كما وجد في نسخة ( فقيل له : قل لا إله إلا اللّه فحول وجهه إلى الجدار ) تأدبا مع اللّه تعالى ( وقال : أفنيت كلي بكلك ) أي شغلتني بك شغلا كليا حتى أنسيتني نفسي ( هذا جزاء من يحبك ) أثنى بذلك على اللّه وشكره على ما تفضل به عليه ، وفيه دلالة على أنّه كان مشغولا بربه عن نظره في علته ، ( وقيل لأبي محمد الدبيليّ وقد حضرته الوفاة : قل لا إله إلا اللّه فقال : هذا شيء قد عرفناه وبه نفنى ) ثم اشتغلنا به واستغرقنا فيه حتى نسينا أنفسنا ، فلا نحتاج إلى من يذكرنا به إذ لا يذكر إلا الغافل كما أشار إلى ذلك بقول :
( ثم أنشأ يقول : تسربل ثوب التيه ) أي المفازة استعار ذلك لينزه اللّه تعالى عن أن ينال العبد جميع مقاصده منه إلا بعونه ( لما هويته ) أي أحببته يعني أنّه أحبه تعالى حبا
شرح
خلقه . ( قوله : إلا من ارتضى من رسول ) أي وقيل : أو ولي وبذلك يتم ما نحن فيه .
( قوله : يتكلم للرجال والنساء ) أي يعظ كلا منهم . ( قوله : والتكلف لأحوال الفقراء ) أي لأجل دوام ستر أهل الطريق . ( قوله : فقال لهم : سلوا العلة عني الخ ) الغرض إفادة غاية رضاه بما يجريه الحق تعالى من أحكامه حيث العلة لو سئلت ونطقت لأجابتهم بمثل ذلك بل قد تفيد لذته وفرحه بها باعتبار ما يترتب عليها واللّه أعلم .
( قوله : أفنيت كلي بكلك ) أي باشتغال روحي وجسمي بمحابك وما يرضيك عني تلاشيت بكليتي ، وقوله : هذا جزاء الخ أي بشاهد قوله جل اسمه :هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ[ الرحمن : 60 ] . ( قوله : تسربل ثوب التيه الخ ) مراده تنزيه الحق تعالى عن