وما ( عرجوا عن مس بؤس ولا ضر ) في ذلك إشارة إلى أنّ أحوال العارفين في الدنيا مع مولاهم هي التي حملتهم على حنين قلوبهم إليه وقت الارتحال ولم يجدوا ألما لما هم فيه من نزع الروح والأهوال لإعراضهم عن الدنيا . ( وقيل : للجنيد إنّ أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت فقال ) للقائل ( لم يكن بعجيب أن تطير روحه اشتياقا ) للقاء ربه ، فيه إشارة إلى أنّ الخراز كامل الأحوال في محبته للّه ومعرفته له ودوام شغله وأنسه به في سائر أحواله ، ( وقال بعضهم وقد قربت وفاته ) لغلام عنده : ( يا غلام اشدد كتافي وعفر خدي ) بالتراب لاحظ نفسه بعين التقصير فأمر الغلام أن يفعل به ذلك ( ثم قال : دنا الرحيل ولا براءة لي من ذنب ولا عذر ) لي ( أعتذر به ولا قوّة ) لي ( انتصر ) بها ( أنت لي أنت لي ثم صاح صيحة ومات ) عقبها ( فسمعوا صوتا ) من قائل يقول : ( استكان العبد لمولاه فقبله ) بفضله وكرمه ( وقيل لذي النون المصري عند موته : ما ) ذا ( تشتهي قال ) أشتهي ( أن أعرفه ) تعالى فوق معرفتي له ( قبل موتي بلحظة ) رأى نفسه مقصرا عن القيام بحق معرفته فعدّ معرفته كلا معرفة فطلب أن يستغرق في جلال اللّه وكماله بحسب ما علمه من ذلك .
( وقيل لبعضهم : وهو في النزع قل اللّه فقال ) لهم : ( إلى متى يقولون ) لي : ( قل اللّه وأنا محترق باللّه ) فلست بغافل عنه فلا أحتاج إلى من يذكرني به وهذا يدل على أنّه كامل الحضور مع اللّه شديد المراقبة له ( وقال بعضهم : كنت عند ممشاد الدينوريّ ) وجماعته ( فقدم ) عليهم ( فقير وقال : سلام عليكم فردوا عليه ) السلام ( فقال ) لهم : ( هل ههنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه ؟ فأشاروا عليه بمكان وكان ثم عين ماء فجدد الفقير الوضوء ) منها ( وركع ما شاء اللّه ومضى إلى المكان الذي أشاروا إليه ومد رجليه ومات ) هذا من خرق العوائد وهو مستثنى من
شرح
يرضيه عنهم ، ويقربهم من فضله ورحمته . ( قوله : وما عرجوا الخ ) أي ما التفتوا إلى ذلك رضا بما يجريه الحق تعالى من تصاريف أحكامه . ( قوله : لإعراضهم عن الدنيا ) أي عما فيها عن لذات وآلام لفناء نفوسهم في مرضاته تعالى . ( قوله : يا غلام اشدد كتافي الخ ) أقول : لعل لهذا دليلا من شواهد القلوب وإلا فعلم النقل لا يساعده . ( قوله : استكان العبد الخ ) أي حيث اعترف بالتقصير ورجع إلى فضل ربه وإحسانه . ( قوله : قال أشتهي الخ ) فيه دليل على أنّ همته دائما في طلب الحق تعالى . ( قوله : فقال لهم : إلى متى الخ ) الغرض الحث على مثل حاله وإفادة مقامه لا مللا من التذكير كيف وهو به جدير . ( قوله :
هل ههنا موضع نظيف ) أي من الدنس الحسي والمعنوي .
( قوله : وهو مستثنى الخ ) أي أو المعنى لا يعلمهن إلا اللّه ومن أطلعه تعالى من