( وقيل : كان مكحول الشاميّ الغالب عليه الحزن فدخلوا عليه في مرض موته وهو يضحك فقيل له في ذلك : ) أي ما سببه ( فقال : ولم لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت أحذره ) من الهوى والشيطان والدنيا ( وسرعة القدوم على ما كنت أرجوه وآمله من لقاء ربي ) فيه دلالة على كمال حسن ظنه بربه وحصول الأمن له في قلبه كما قال تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
) [ يونس : 64 ] ( قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه » « 1 » ( وقال رويم : حضرت وفاة أبي سعيد الخراز وهو يقول في آخر نفسه : حنين قلوب العارفين إلى الذكر . وتذكارهم وقت المناجاة للسر . أديرت كؤوس للمنايا عليهم . فأغفوا ) أي عرضوا ( عن الدنيا كإغفاء ذي السكر . همومهم جوّالة بمعسكر . به أهل ودّ اللّه كالأنجم الزهر . فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه . وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري ) أي تقطعها بسرعة إلى نحو العلى حتى لم يبق على قلوبهم حجاب يحجبها عنه لإعراضهم عن الدنيا ( فما عرسوا ) أي نزلوا في سفرهم ( إلا بقرب حبييهم ) وفي نسخة ملكيهم ( ولا ) وفي نسخة
شرح
أي فحق الهمم أن تبذل لمثله بل تبذل الأرواح ، ولكن ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا .
( قوله : فقال : ولم لا أضحك الخ ) فيه تنبيه على تمكسه بالمتابعة مع غلبات أمارات الحقيقة عليه ، وهكذا حال الكمل من العبيد نفعنا اللّه ببركاتهم .
( قوله : لا يموتن أحدكم الخ ) هو خبر ومعناه النهي عن غير هذه الحالة على ما ذكره الفقهاء في كتب الفروع . ( قوله : حنين قلوب العارفين ) أي ميل أرواح المحققين إلى ذكر الحق تعالى ، وتذكر أوقات مناجاة أسرارهم له لا لغيره ، وقوله : أديرت كؤوس للمنايا عليهم أي نزل بهم نازل الموت وهم في حالة الإعراض عما سواه تعالى إعراضا تاما وغيبة كلية تشبه غيبة السكر إذا غلب على العقل ، وقوله : همومهم جوالة الخ أي همهم وجمعية قلوبهم دائما بمحل جمع أهل طاعة اللّه وعبادته حال كونهم كالأنجم الزاهرة في الاهتداء بهم إلى سبيل الوصول ، وقوله : فأجسامهم الخ فهم صرعى بالحب في الأرض وأرواحهم تخترق الحجب للترقي لمطالبهم السنية ، وقوله : فما عرسوا الخ التعريس النزول آخر الليل للاستراحة أي فما نزلوا إلا بمحل الرحمات العلية والتفضلات الإلهية حتى دهشوا بما وجدوا من النعيم ، فلم يدركوا ألما ولا ضررا لاستغراقهم فيما منحوه من النعيم والفضل العميم رضي اللّه تعالى عنهم ورضوا عنه .
( قوله : فأعرسوا الخ ) المراد منه أنّهم في دائم أوقاتهم مشتغلون بمحابه تعالى وما
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( صحيحه 2205 و 2206 ) وأحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 325 ، 330 ، 3 / 293 ) وابن كثير في ( البداية والنهاية 5 / 238 ، 334 ، 390 ) وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 1 ، 3 ، 4 ) .