اللّه عنه : واطرباه غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه ، ( ومنهم كشف له في تلك الحالة ) أي حالة النزع ( ما أوجب له السكون وجميع الثقة ) باللّه تعالى ( حكى أبو محمد الجريريّ قال : كنت عند الجنيد في حال نزعه ، وكان يوم الجمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن فختمه ) ثم ابتدأ البقرة فقرأ منها شيئا ( فقلت له : في هذه الحال يا أبا القاسم فقال : ومن أولى مني بذلك ) أي بالاشتغال بالأفضل والأحب إلى اللّه تعالى ( وهو ذا ) أي في هذا الحين ( تطوى صحيفتي ) كان الجنيد ممن يغلب عليه قبل حالة النزع دوام الذكر والقراءة وأعمال البر فتمادى ذلك عليه بفضل ربه إلى وقت نزعه ، وأنت إذا تأملت أحوال الخلق وجدت الجاري عليهم عند موتهم ما كان الغالب عليهم قبل ذلك ويؤيده خبر « يموت المرء على ما عاش عليه » . ( سمعت أبا حاتم السجستانيّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا نصر السراج ) الطوسيّ ( يقول : بلغني عن أبي محمد الهرويّ قال : مكثت عند الشبليّ الليلة التي مات فيها فكان يقول طول ليلته هذين البيتين كل بيت أنت ) يا رب ( ساكنه . غير محتاج إلى السرج . وجهك المأمول حجتنا . يوم تأتي الناس بالحجج ) في ذلك دلالة على أنّ لقاء اللّه يحمل به فرح العبد وانشراح صدره ودوام مناجاته حتى عند وفاته ( وحكي عن عبد اللّه بن منازل أنّه قال :
إنّ حمدون القصار أوصى إلى أصحابه أن لا يتركوه في حال الموت بين النسوان ) لتشويشهن عليه بالصياح والعويل ونحوهما وهذا من كمال تثبته ومراقبته ، وبعده عن المشوشات وقت الحاجة إلى التثبت ، فإن العبد إذا حضره عند الموت من يذكره
شرح
( قوله : ما أوجب له السكون ) أي طمأنينة القلب ، وقوله : وجميل الثقة باللّه أي الثقة باللّه أي الثقة الجميلة به فلم يظهر منه أثر خوف أو رجاء . ( قوله : فقلت له : في هذه الحال ) أي في هذه الحالة على سبيل الاستفهام التعجبي من اشتغاله بالعبادة مع كرب الموت الذي حل به فقال : ومن أولى بذلك مني أقول : لعله أخذه من قوله جلّ شأنه :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى[ النجم : 39 ] . ( قوله : وهو ذا الخ ) أي فأراد نفعنا اللّه ببركاته أنّ صحيفته تطوى على أفضل الذكر بتلاوة القرآن الشريف . ( قوله : وجدت الجاري عليهم الخ ) أي لأنّ العادة تصير كالطبيعة لا تفارق إلا بالموت . ( قوله : على ما عاش عليه ) أي على ما اعتاده زمن حياته .
( قوله : كل بيت الخ ) يريد به قلب المؤمن ، وبالسكنى دوام المراقبة لجلال الحق وجماله ، وقوله : غير محتاج إلى السرج أي غير محتاج إلى زيادة النور لأنّ نور الإيمان واليقين أقوى الأنوار ، وقوله : وجهك الخ يشير به إلى الفناء عما للنفس بما للحق تعالى من الكرم والجود .
( قوله : يحصل به فرح العبد الخ ) أي العبد الجمالي لا مطلق عبد كما لا يخفى .