ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وإنّ مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة » « 1 » ) والمراد بمفارقتها بلاها بعد الموت إلى أن تعاد . ( أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه قال : حدثنا سوار قال : حدثنا جعفر عن ثابت عن أنس أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل على شاب وهو في ) حالة ( الموت فقال ) له : ( « كيف تجدك فقال : أرجو اللّه وأخاف ذنوبي فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : شيئان لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن في هذا الموطن » « 2 » ) أي موطن الموت يعني حاله ( إلا أعطاه اللّه ما يرجو وأمنه مما يخاف ) وأحسن أحوال العبد في دنياه مع مولاه أن يستوي عنده رجاؤه فيه وخوفه منه ( واعلم أنّ أحوالهم في حال النزع مختلفة فبعضهم الغالب عليه الهيبة ) أي الخوف من اللّه تعالى والإجلال للقائه فيقلق ويبكي ويشهق كما رؤي بعضهم يبكي فقال : ما أبكي حزنا على الدنيا ولا ضنا بكم ولكن أخشى إحدى المنزلتين . ( وبعضهم الغالب عليه الرجاء ) فينبسط كما قال بلال رضي
شرح
لآخرين . ( قوله : تقول : عليك السلام الخ ) ظاهره أنّه بلسان المقال ولا مانع حيث القدرة صالحة ، ويحتمل أنّه بلسان الحال . ( قوله : والمراد بمفارقتها بلاها بعد الموت ) أقول :
وإن كان هذا محتملا أنّ الذي يظهر من الحديث أنّ ذلك وقت الموت لا بعده بجعل الواو في قوله : وأنّ مفاصله الخ للحال فهو خبر عما سيصير بعد الموت .
( قوله : بلاها بعد الموت ) أي بالنسبة لمن قدر اللّه تعالى بلاه لا غيره ممن استثنى الشارع صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : شيئان ) أي هما وصفان لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن الخ ، ويحتمل أن ذلك باعتبار ما علمه صلى اللّه عليه وسلم في خصوص هذا الشاب ، فلا ينافي ما نص عليه في كتب الفروع من أنّ المطلوب في هذه الحالة تغليب الرجاء على الخوف على أنّ الاجتماع لا يستلزم المساواة في المجتمعين . ( قوله : أن يستوي عنده الخ ) مراده عدم إفراط صفة الخوف والرجاء المؤدي إلى اليأس أو التساهل ، وذلك لا ينافي ما ذكره الفقهاء من طلب تغليب الخوف في الصحة والرجاء في المرض فتدبر . ( قوله : مختلفة ) أي على حسب تجليات الحق تعالى على العبد في هذا الوقت . ( قوله : ولا ضنا بكم ) أي بخلا بمفارقتكم ولكني أخشى إحدى المنزلتين أي أخاف إحدى المنزلتين أي وهي النار وهذا كما ترى من أخلاق المريدين وإلا فالعارفون خلقهم الفناء في مراد الحق تبارك وتعالى .
( قوله : وبعضهم الغالب عليه الرجاء الخ ) أي وذلك هو الأكمل لموافقته الاتباع .
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في ( جمع الجوامع 5710 ) والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 10 / 263 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 448 ) وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 2 / 375 ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات 214 ) .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة في ( السنن 4261 ) وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1806 ) .