إفراد القدم عن الحدث ) أي الحدوث ( والخروج عن الأوطان وقطع المحاب ) أي محبوبات النفس ( وترك ما علم وجهل وأن يكون الحق ) تعالى ( مكان الجميع ) ليشتغل قلب العبد به ويتفرّغ عما عداه حتى عن نفسه وتقدم بيان ذلك ( وقال يوسف بن الحسين ، من وقع في بحار التوحيد لا يزداد على ممر الأوقات إلا عطشا ) إليه فإنّه وإن بلغ فيه ما بلغ لم يبلغ كنهه كما مرّ فهو متعطش إلى ما لم يبلغه ، ( وقال الجنيد :
علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مفارق ) أي مباين ( لعلمه ) فكل منهما مباين للآخر وفيه الفرق بين علم التوحيد وحاله وتقدم بيانه ، ( وقال الجنيد أيضا : علم التوحيد ) أي علم دقائقه ( طوى بساطه منذ عشرين سنة والناس يتكلمون في حواشيه ) أي ظواهره وأراد بذلك أن يحرك غيره إلى الجد في السلوك ليصلوا إلى العلم بدقائق التوحيد ، وقيل : المراد بعلم التوحيد الذي طوى بساطه كلام أرباب الأحوال في أحوالهم وحواشيه كلامهم في أقوالهم . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول :
سمعت محمد بن أحمد الأصبهانيّ يقول : وقف رجل على الحسين بن منصور فقال :
شرح
سبيل معرفته الذي قدره سبحانه وتعالى لعباده . ( قوله : هو إفراد القدم ) أي القديم عن الحدث أي الحادث أي إفراده بالقصد والعبادة . ( قوله : والخروج عن الأوطان ) أي الانفصال عنها سواء كانت الأوطان حسية كالمساكن أو معنوية كالمقامات والأحوال التي ينازلها العبد المقرب . ( قوله : وترك ما علم وجهل ) أي على معنى عدم الركون إلى ذلك ، وذلك بالرجوع إلى الحق سبحانه وتعالى والرضا بما يجريه من أحكامه . ( قوله : وأن يكون الحق تعالى مكان الجميع ) أي فيكون اشتغاله بالحق تعالى وبما يرضيه مستغرقا لقلبه مانعا من الالتفات إلى ما سواه .
( قوله : من وقع في بحار التوحيد ) أي في مقاماته وأحواله الشبيهة بالبحر في السعة واضطراب الأمواج وقت تزايد الرياح . ( قوله : لا يزداد الخ ) أي ولذلك قيل : إنّه يقال لذي الكمال وقت الترقي إلى الأكمل : مقصودك أمامك إنما نحن فتنة فلا تفكر .
( قوله : علم التوحيد مباين لوجوده ) أي العلم الموصل إلى اعتقاد وحدته تعالى ذاتا وصفة وفعلا مغاير لوجوده بمعنى التخلق بحقيقة ما علمه ، فلا يلزم أنّ كل من اعتقد وحدانيته تعالى على الوجه المذكور يتخلق بحقيقة ما علم كما هو غني عن البيان ، وحيث كان كذلك لزم أنّ وجودة مباين ومغاير لعلمه المجرد عن التخلق المذكور .
( قوله : طوى بساطه ) أقول : فإذا ثبت هذا بالنسبة لعلم التوحيد فما ظنك بحال التوحيد ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه . ( قوله : وأراد بذلك أن يحرك غيره ) أي فليس المقصود الحقيقة بل الحث على الجد والتشمير في الوصول إليه . ( قوله : وقيل : المراد الخ ) أقول : وهو اللائق بأهل العصر المتقدّم أما بالنسبة لأهل عصرنا فالأول أليق لندرة