أي طريقا ( إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته قال الأستاذ الإمام ) القشيريّ ( رحمه اللّه :
ليس يريد الصديق ) رضي اللّه عنه ( إنه ) تعالى ( لا يعرف ) إلا بالعجز عن معرفته المعدومة ( لأنّ عند المحققين العجز ) إنما هو ( عجز عن الموجود دون المعدوم كالمقعد ) فإنّه ( عاجز عن قعوده ) الموجود ( إذ ليس ) هو ( بكسب له ولا فعل ) منه لما ذكره بقوله : ( والقعود موجود فيه ) فهو مجبور عليه ومخلوق له ( كذلك العارف ) باللّه ( عاجز عن معرفته والمعرفة موجودة فيه لأنّها ضرورية ) حينئذ ( وعند هذه الطائفة المعرفة به سبحانه في الانتهاء ضرورية ) فهم عاجزون عن معرفتهم التي عرفهم إياها وأوجدها لهم ( فالمعرفة الكسبية في الابتداء وإن كانت معرفة على التحقيق فلم يعدها الصديق رضي اللّه عنه شيئا بالإضافة إلى المعرفة الضروريّة كالسراج عند طلوع الشمس وانبساط شعاعها عليه ) واستبعد بعضهم هذا التأويل ، قال : وإنما أراد الصديق أنّ العبد إنما يعرف من جلال اللّه وعظمته ما خلق له المعرفة به دون ما عجزت العقول عن إدراكه ، ولم يخلقه له من حقيقة ذاته وصفاته فهو عاجز عن معرفة ذلك فقوله : سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته أي إلى كمال معرفته في الدنيا إلا بعلمهم يعجزهم عن غاية معرفته وإلا فالتأويل جار في كل معتقد فإنّ من عرف اللّه بالدليل أو خلق اللّه له اعتقادا صحيحا بذلك عاجز عن تحصيله .
( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أحمد بن سعيد البصريّ بالكوفة يقول : سمعت ابن الأعرابي يقول : قال الجنيد : التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو
شرح
رضي اللّه تعالى عنه بحمل المعرفة على غير المكتسبة بل على الضرورية المخلوقة له في آخر عمره المشبهة بشعاع الشمس إذا انبسط بعد طلوعها ، والكسبية بضوء السراج مع ذلك الشعاع فتدبره فإنّه نفيس . ( قوله : لأنّ عند المحققين الخ ) علة لقوله : ليس يريد الصديق الخ .
( قوله : كذلك العارف باللّه الخ ) أي فالعارف أيضا عاجز عن المعرفة باللّه الضرورية الموجودة فيه بالقوّة والاستعداد نهاية الأمر عجزه عنها لعدم تعلق قدرته بها ، وعدم اكتسابها لكونها ضرورية توجد له في آخر عمره بخلق اللّه لها فيه . ( قوله : وإن كانت معرفة على التحقيق ) أي وإن اكتفى بها في مقام التكليف لكونها هي التي في الوسع والطاقة ، ولتوقف صحة الإيمان والعمل عليها ، فلم يعدها الصديق . ( قوله : كالسراج ) خبر عن قوله : فالمعرفة الكسبية . ( قوله : قال : وإنما أراد الخ ) أقول : وهو الظاهر فالأولى حمل الكلام عليه .
( قوله : دون ما عجزت الخ ) أي بدليل :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة :
286 ] . ( قوله : إلا بعلمهم بعجزهم الخ ) أي فالمعنى أنّ العلم بالعجز عن غاية معرفته هو