بمناجاته مع أنّهم لا يضرون العبد ولا ينفعونه ، والمراد الخروج عن عاداتهم المعهودة لا هجرهم بالكلية كيف والعبد مأمور بمواصلتهم ومصاحبتهم منهي عن هجرهم ومقاطعتهم ( ومفارقة الأوطان ) المعهودة بين الأهل والمعروفة عند الصوفية من السكون إلى مقام ، فيفارقه بأن يجد في السلوك ولا يسكن إلى مقام سكونا يمنعه من الاتقاء إلى غيره ( ونسيان ما علم وجهل ) أي ما كان يسكن إليه ثم تركه بأن يعرض عنه رضا بما يختاره له ربه ، ويجريه عليه مما يرضاه له . ( سمعت منصور بن خلف المغربي يقول : كنت ) بين اليقظة والنوم ( في صحن الجامع ببغداد يعني جامع المنصور والحصري يتكلم ) للناس ( في التوحيد فرأيت ملكين يعرجان إلى السماء فقال أحدهما لصاحبه : الذي يقول ) أي يتكلم فيه ( هذا الرجل : علم التوحيد
شرح
الفقر ، فإنّ ذلك اتحاد الحادي فإن أرباب ذلك الاتحاد يقولون : إن رفع الإثنينية بشهود وجود الممكن موجود بوجود الواجب ، فإنّهم قالوا : بأنّ الوجود فيهما بالحقيقة واحد ، والممكن موجود بوجود الواجب وهم يحملون قول العارفين : إسقاط الحدث وإثبات القدم على نفي التعينات التي حصلت للوجود ، فهي نسب وإضافات ، فإذا نفيا عنه فالثابت حينئذ هو الوجود القديم الذي ما فوقها يرى الوجودات الاتحادية الكونية عكوسات نور ذلك الوجود لأنفس الوجود بل يترقى ويذهل عن ملاحظة العكس ، فافهم واللّه ولي الهداية والتوفيق وهو حسبي ونعم الرفيق . ( قوله : رفع الحدث ) أي رفع ما وصف به على معنى رفع تعلق القلب والتفاته إلى شيء منه بدون شاهد علم النقل ، وقوله : وإفراد القدم أي إفراد ما وصف به بالقصد والعبادة ، وقوله : وهجران الخ من عطف الخاص على العام اهتماما به .
( قوله : ومفارقة الأوطان المعهودة الخ ) أفاد به أنّ المراد بالوطن ليس خصوص المسكن بل ما يشمله وما ينازله العبد من المقامات والأحوال . ( قوله : ونسيان ما علم ) أي عملا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية » ويرحم اللّه القائل :أيحسن أني جاركم ونزيلكم * أوجه يوما للعباد رجائيالبيك اللهم وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك فيا أخي دع الكل جانبا واتخذ مولاك صاحبا ، قال الحبيب المحبوب ، أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، وهذا المقام إنما يتحقق بالفناء عن سائر المرادات في مراد الحق سبحانه وتعالى ، ثم أقول لك : كما قال بعضهم : من كان في اللّه تلفه فعلى اللّه خلفه ، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله فافهم .
( قوله : ونسيان ما علم وجهل الخ ) أي من خيري الدنيا والآخرة على معنى عدم السكون إليها ، وعدم التعلق بها . ( قوله : علم التوحيد والتوحيد غيره ) أي وذلك لأنّ مقام