بإدراك يخلقه له في بصره ، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا . ( وسئل الجنيد عن التوحيد فقال : معنى تضمحل فيه الرسوم ) أي الآثار ( وتندرج فيه العلوم ويكون اللّه تعالى كما لم يزل ) أي هو معنى يخلقه اللّه في قلب الموحد العارف به ، ويغلب على قلبه لا يرى غيره تعالى كما كان في الأزل ، ( وقال الحصري : أصولنا في التوحيد خمسة أشياء رفع الحدث ) يعني الإعراض عن غير اللّه
شرح
تثبت له الرؤيا في الآخرة بل قد تعجل له في الدنيا بنور عين البصيرة . ( قوله : بإدراك يخلقه له ) أي كما وقع لسيدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة معراجه الأقدس وتشريفه بالشرف الأنفس . ( قوله : ومن كان في هذه ) أي في دار الدنيا أعمى أي أعمى البصيرة عن إدراك التوحيد ، وعن تصديق النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو في الآخرة أي في الدار الآخرة أعمى البصر والبصيرة لا يهتدي لشيء من طرق النجاة أعاذنا اللّه وإخواننا من ذلك .
( قوله : فقال : معنى تضمحل الخ ) أي فأشار بذلك إلى التوحيد الذاتي له تعالى الذين لا يتم إدراكه لأحد بعد فنائه عن وجوده المجازيّ ، وقوله : وتندرج فيه العلوم أي والمعلومات أي تشاهد فيه باعتبار المنشئية والأثرية ، ثم إذا غلب هذا على قلب العبد لا يرى في الوجود ثانيا غيره تعالى .
( قوله : رفع الحدث الخ ) بشير بذلك إلى ما به تعرف ذات اللّه تعالى على قاعدة أصول السادة الصوفية رضي اللّه عنهم فالتوحيد المعتبر عندهم ما كان فيه الإسقاط والإثبات ، وإلا فهو ناقص ما وصل صاحبه إلا حقيقة التوحيد وكماله ، واعلم أنّ قولهم :
معرفة ذات اللّه بالإضافة العهدية للإشارة إلى المعرفة التي تحصل للعارفين باللّه لا لمعرفة الكنه والحقيقة الذاتية وإن كانت ممكنة عند بعض المتكلمين ، والحق أنّها غير ممكنة إذ المعرفة الكنهية الذاتية تستلزم الإحاطة الكلية بالكل مع أنّ الكمالات الإلهية غير متناهية ، فتلك الإحاطة الكلية بالكل من الكل محالة والوقوف على المحال محال ، وإنما خص المعرفة بذات اللّه تعالى لأنّ المعرفة قد تكون معرفة الأسماء ، وقد تكون معرفة الصفات ، وقد تكون معرفة الأفعال ، فمعرفة الذات التي أشار إليها إنما تكون بعد اضمحلال الوجود الكونيّ في شروق نور الوجود الأحدي جل جلاله كما هو مفهوم مما أشار إليه بقول :
رفع الحدث وإفراد القدم فأراد بالحدث الموصوف بالحدوث ، وبالقدم الموصوف بالقدم من إطلاق مبدأ الشيء عليه كالعدل في قولك : رجل عدل تريد به العادل ، وذلك الاضمحلال والسقوط والثبوت لا يكون إلا في تجلي الذات بالأحدية أعني انكشاف الذات المجرّدة بدون ملاحظة نعت وصفة إذ الأحدية هي اعتبار الذات بلا شيء ، كما أن الواحدية هي اعتبارها لا بشرط شيء ، وذلك الرفع والإسقاط إسقاط شهودي عياني ذوقي لا مجرد اعتقاد متكلف فيه ، ولا شك أنّ من لم يبلغ قدم السير والسلوك الموافق للشريعة