( وإفراد القدم ) أي كمال الشغل باللّه ( وهجر الإخوان ) للتفرغ لكمال الشغل به والتلذذ
شرح
المطهرة لا يعرف ذاتا مجرّدة عن ملاحظة الصفات والكائنات ، فإنّ الذات من حيث هي مجردة تتجلى عليه فيعرفها صاحب هذا المقام فإفنائه بها عن ذاته وذوات المكونات ، فهذه هي خاصية هذا التجلي الذاتي ، فبهذه العلامة هو يعرف الذات ويعرفها أيضا بتعريفها ، فهو يعرفها بها وبتعريفها ، ولهذا التجلي الذاتي مراتب أشار إليها بعض الكمل كالشيخ الصديق زين الدين أبي بكر الخواجا قدس اللّه سره ، فارجع إليه إن شئت ، وأما معرفة الأسماء فهو يحصل بتجلي كل اسم للمكاشف ، وقد يكون ذلك دفعيا إجماليا ، وقد يكون تدريجيا تفصيليا ، وأما معرفة الصفات فتحصل أيضا بتجلي كل صفة له كذلك على ما تقدم في الأسماء ، والفرق بين تجلي الاسم وتجلي الصفة أنّ المكاشف في تجلي الاسم يشاهد الذات محتجبة بالصفة متجلية له ، ويشاهد في تجلي الصفة الصفة بدون الذات متجلية له ، وقد يشاهد الصفة متعلقة بالكون ، وقد يشاهدها غير متعلقة به ، وأما معرفة الأفعال فتحصل عند فنائه عن ملاحظة أفعال نفسه وأفعال غيره من باقي المخلوقات بسبب إشراف أنوار الصفة الفعالية الإلهية عليه ، فيشاهد هناك أنّ كل فعل كوني أثر فعاليته تعالى بالحقيقة والأشياء مظاهر فعاليته سبحانه ، وههنا مزالق أقدام أهل الجبر فاحذرهم ، هذا وقال بعضهم : مدار توحيد الذات العلية على رفع ذوات الكون عن نظر صاحب حب هذا المقام بواسطة غلبة إشراف النور الوجوديّ الأحدي حتى لا يبقى في نظره إلا ذلك الوجود القديم ، وذلك كارتفاع وجود الكواكب الليلية عن نظر الناظر عند إشراف أشعة نور الشمس ، فهي الرتبة الأولى في رفع الإثنينية ، ثم بعد هذه مرتبة أخرى في ذلك ، وهي أن يبلغ إلى درجة يشاهد فيها أنّ الأشياء المحدثات معدومة في ذاتها يعني ليس لها وجود من ذاتها فإنّها قبل هذا الوجود كانت معدومة فاض على ماهياتها من انعكاس النور القديم فيرى تلك الوجودات العارضة عليها عكوسات نور الوجود القديم ، ويرى الأشياء من حيث ذواتها معدومة عدما محضا كما كانت قبل عروض الوجود العكسيّ عليها ، فحينئذ يرتفع التعدد والإثنينية في نظره بالحقيقة لأنّه لم يبق في هذه الدرجة عنده إلا وجود ثابت مستمرّ قديم واحد أحد أشرقت أرض الأعدام الممكنة بنوره كما أشير إليه بقوله جل اسمه :وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها[ الزمر : 69 ] بعد هذا درجة أخرى في رفع الإثنينية ، وهي أن يشاهد الوجود القديم منعكسا نوره من غير شهود عكوسات ذلك النور بالماهيات الممكنة ، وبعد هذا درجة أخرى وهي أن يشاهد الوجود من حيث هو هو من غير شهود العكس والإشراق ، وبعد هذا درجة في غاية الغايات ونهاية النهايات ، وهي أن يصل إلى مقام يضمحل فيه هو وشعوره في سطوة ذلك النور القديم ، والآن ما يبقى إلا اللّه كما قال بعض العارفين : إذا تم الفقير فهو اللّه أي إذا تم الوجود الكوني المستلزم للافتقار والحدوث فالباقي هو اللّه ، فالضمير عائد على اللّه لا على الفقير المفهوم من