بالنسبة لما يرد عليهم ( وحكي عن سهل بن عبد اللّه أنه قال : من قهر نفسه بالأدب ) في دفع المشغلات عن القلوب كالرياء والعجب ( فهو يعبد اللّه بالإخلاص ) والنشاط ، ( وقيل : كمال الأدب ) لكونه إنما يكون بقطع المشغلات عن القلوب ( لا يصفو إلا للأنبياء والصدّيقين ) لأنّهم أقوى الناس في الدين وأعرفهم به ، ( وقال عبد اللّه بن المبارك : قد أكثر الناس ) الكلام ( في الأدب ونحن نقول : هو معرفة النفس ) بعجزها وقلة قدرتها وافتقارها لأنّ من عرف نفسه بذلك عرف ربه بجلاله وكماله واقتداره على ما يشاء ، ومن عرف نفسه وربه بما ذكرنا تأدّب في طاعته وإن كانت كاملة مبرأة من العجب والاغترار بها ، ( وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق ) تعالى ( ترك الأدب ) معه لأنّ انبساطك مع من تعظمه وتجله ترك للأدب معه ، ولا يفعله إلا جاهل بجلاله وعظمته ، وما هو عليه من أخذه وسطوته ( وقال ذو النون المصري : أدب العارف ) باللّه ( فوق كل أدب لأنّ معروفه ) وهو اللّه تعالى ( مؤدّب قلبه ) إذ معرفته به وبجلاله وعظمته توجب له الأدب معه فيستغني به عن أدب المؤدبين لأنّ دواعي نفسه وخواطرها صحيحة حاملة على الأدب ، ( وقال بعضهم : يقول الحق سبحانه :
( من ألزمته القيام ) وأوقفته ( مع ) تفكره في ( أسمائي وصفاتي ) لكونها تدل على لطفه
شرح
كامل الحركات والسكنات ، وقوله : ومقامات القرب من اللّه أي من رحمته تعالى وإحسانه .
( قوله : من قهر نفسه بالأدب الخ ) الكلام مع المريدين المستأنفين السير إلى اللّه تعالى كما لا يخفى على من له ذوق ، ويشير إلى ذلك ما بعده ، وهو قوله : وقيل : كمال الأدب الخ . ( قوله : كمال الأدب ) أي الأدب الكامل الذي هو عبارة عن عدم الاتساع لغير الحق تعالى ، وقوله : لا يصفو أي لا يتم خلوصه إلا للأنبياء والصدّيقين أي لكمال استعدادهم . ( قوله : هو معرفة النفس ) أي ويشهد له خبر « من عرف نفسه عرف ربه ، ومن عرف ربه قام بما له على طريق متابعة سيد المحبين صلى اللّه عليه وسلم وعلى إخوانه النبيين والمرسلين » .
( قوله : ترك الأدب ) أي ينشأ من ترك الأدب وهو كما ترى فيمن لم يصل إلى مقام تجليّ الجمال ، وإلا فهو لا كلام لنا معه على أننا قدمنا أنّه يعود سريعا إلى الأدب مثل عود المستأنف للتوبة لو زل .
( قوله : أدب العارف باللّه فوق كل أدب ) أي وذلك قريب من البديهيات إذ الأدب تابع للمعرفة ، ولا شك في تفاوتها والعارف مقامه فيها أعلى المقامات ، فيلزم أنّ أدبه يكون كذلك .
( قوله : لأنّ معروفه مؤدب قلبه ) أي وله الإشارة بخبر « أدبني ربي فأحسن تأديبي » .
( قوله : من ألزمته القيام الخ ) أي ويدل عليه خبر « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في