أرحم الراحمين فأثنى على اللّه تعالى بصفة من صفاته وضمنها ارحمني ( لأنّه حفظ آداب الخطاب ) مع اللّه تعالى ، قيل : ولم يقل : « مسني الضر » إلا لما بلغ الألم إلى قلبه ، وخشي منه كمال الشغل به عن ربه . ( وكذلك عيسى عليه السلام حيث قال : ) فيما يتعلق بجوابه عن سؤال اللّه له بقوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وقال : ) فيه أيضا
سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] وأجاب عن السؤال بقوله :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
، ( ولم يقل : ) بدله ( لم أقل ) ذلك ( رعاية لآداب الحضرة ) وبما تقرّر علم أنّ في كلامه إجحافا ( سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفيّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا الطيب بن الفرحان يقول : سمعت ) أبا القاسم ( الجنيد يقول :
جاءني بعض الصالحين يوم جمعة فقال : ابعث معي فقيرا يدخل عليّ سرورا ويأكل معي شيئا فالتفت فإذا أنا بفقير شهدت فيه الفاقة ) أي الحاجة إلى الأكل ( فدعوته وقلت له : إمض مع هذا الشيخ وأدخل عليه سرورا ) بمضيك وأكلك معه ( فمضى ) معه ( فلم ألبث أن جاء الرجل فقال ) لي ( يا أبا القاسم لم يأكل ذلك الرجل الفقير إلا لقمة وخرج فقلت ) له : ( لعلك قلت ) له : ( كلمة جفاء عليه فقال : لم أقل ) له ( شيئا فالتفت فإذا أنا بالفقير جالس فقلت ) له : ( لم لم تتم عليه السرور فقال ) لي : ( يا سيدي ) قد ( خرجت من الكوفة وقدمت ) إلى ( بغداد ) قاصدا لك ( ولم آكل شيئا ) مدّة سفري وأنا طيب العيش ( وكرهت أن يبدو سوء أدب مني من جهة الفاقة في حضرتك ، فلما دعوتني ) وأمرتني أن أمضي معه ( سررت إذ جرى ذلك ابتداء منك ) لا
شرح
سبب قوله عليه السلام : « مسني الضر » فقده ألم دودة سقطت من جرح له فحينئذ قال :
مسني الضر لفقد لذته بألمها وقت وجودها ، وذلك وإن كان يبعد في نظر العقل القاصر ، فالحمل عليه أليق مما ذكره الشارح واللّه أعلم .
( قوله : رعاية لآداب الحضرة ) أي حيث لم يبادر بنفي قوله ذلك مع اعتقاده أنّ الحق يعلم منه عدم صدور ذلك القول . ( قوله : وبما نقرّر ) أي من حل الشارح وما قدره لكلام المصنف علم أنّ في كلامه أي المصنف إجحافا أي حيث حذف ما يلزم إثباته ، وأثبت ما يوهم خلاف المراد فتأمله .
( قوله : يدخل عليّ سرورا ) أي بكل من زيارته وأكله . ( قوله : إن جاء الرجل ) أي الذي هو من الصالحين الطالب إدخال السرور عليه . ( قوله : كلمة جفاء عليه ) أي تجافي ما غلب عليه من الأحوال . ( قوله : وأنا طيب العيش ) أي بقوّة الرضا بما يجريه الحق تعالى . ( قوله : وكرهت أن يبدو الخ ) أي وذلك بالإظهار لتلك الفاقة من قبلي . ( قوله :