غربة : مجانبة أهل الريب ، وحسن الأدب وكف الأذى ) لأنّ الغريب من لا يؤلف ولا يجد من يألفه به ، ومن اجتمع فيه هذه الخصال ألف وآلف لأنه إذا بعد عن أهل الريب حسن الظنّ به ، ولم تخش غائلته وإذا حسن أدبه حسنت معاملته وكلامه ، وقل طمعه فيما بأيدي الناس ، وتكرم عليه بما يمكنه ، وإذا كف أذاه عن الخلق حسنت صحبته وفي نسخة عقب ذلك في وأنشدنا الشيخ أبو عبد اللّه المغربيّ في هذا المعنى :
يزين الغريب إذا ما اغترب * ثلاث فمنهن حسن الأدب
وثانية طيب أخلاقه * وثالثة اجتناب الريب
( ولما دخل أبو حفص بغداد ) ومعه أصحابه ورأى الجنيد أدبهم مع المشايخ وأعجبه ذلك ، ( قال له الجنيد : لقد أدّبت أصحابك أدب السلاطين ) أي تأديبهم لجندهم في الظاهر بنزاهة النفس ، وسرعة المبادرة لأوامر المشايخ ، والقيام بخدمة الفقراء ، ( فقال له أبو حفص : حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن ) يعني أنّ ما هم فيه من الأدب ليس تعليما وتكلفا ولكنهم لما عمرت قلوبهم بإجلال الحق من اختصه وعظمه جرت لآداب عليهم في الظاهر ، فلذلك قال له : أدب الظاهر الخ . ( وعن عبد اللّه بن المبارك أنّه قال : الأدب للعارف ) باللّه ( كالتوبة للمستأنف ) أي للمبتدىء ، فكما أنّ المستأنف لا يستغني عن توبته إذا زل بل يرجع إليها بسرعة كذلك العارف لا يستغني عن أدبه لحظة إذا غفل عنه لأنّه بعده سيئة ولهذا قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فمتى رأى العارف عمله صحيحا نافعا
شرح
الخصال انتفى عنه ذلك ، وصار مألوفا محبوبا على الوجه الذي وضحه الشارح . ( قوله :
ليس معهنّ غربة ) أي اغتراب وبعد عن سبيل الرشاد . ( قوله : لأنّ الغريب الخ ) أي ويدل له خبر « شركم من لا يألف ولا يؤلف » . ( قوله : إذا بعد عن أهل الريب ) أي عن أهل التهم والأهواء . ( قوله : وإذا حسن أدبه ) أي بقيامه بحق الحق ، وحق الخلق حسنت معاملته أي عبادته . ( قوله : يزين الغريب الخ ) أقول : تكون غربته حينئذ باعتبار الظاهر ، وإلا فلا غربة في الحقيقة . ( قوله : أدب السلاطين ) أي الأدب اللائق بالخدم مع ملوك الأرض . ( قوله : فقال له أبو حفص : حسن الأدب في الظاهر الخ ) أي ويشهد له خبر « ألا وإنّ في الجسد مضغة » الحديث . ( قوله : الأدب للعارف ) أي الرجوع للأدب بالنسبة للعارف مثل الرجوع بالتوبة للمستأنف إذا ارتكب إثما والمثلية في الوجوب ، فلا غنى لكل منهما عن ذلك ، فإذا كان العارف في تجلي البسط وعرض له فيه شطح برائق الجمال وفائق الدلال عاد سريعا إلى شهود الجلال وقهر الأدب ، وكان مثل المبتدىء إذا زل وعاد سريعا للتوبة .
( قوله : ولهذا قيل : الخ ) أي وقيل أيضا : رياء الخاصة أفضل من إخلاص العامة .