له عند ربه ، فقد زل عن درجته ونقص في أدبه فحقه أن يسرع إلى التوبة . ( سمعت منصور بن خلف المغربي يقول : قيل لبعضهم يا سئ الأدب فقال : لست بسيء الأدب فقيل له : من أدّبك ؟ فقال : أدّبني الصوفية ) في ذلك مدح أدب الصوفية لبنائه على الزهد في الدنيا وكمال مراقبة المولى ، وهي درجة الإحسان فهذا أحسن الآداب . ( سمعت أبا حاتم السجستانيّ رحمه اللّه يقول : سمعت أبا نصر الطوسيّ السراج يقول : الناس في الأدب على ثلاث طبقات ) أهل الدنيا ، وأهل الدين ، وأهل الخصوصية ، ( أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم ، وأسماء الملوك ، وأشعار العرب ) وحسن العشرة والانبساط في الخلطة والأطعمة وغيرها مما هو أدب عندهم في معاملة الدنيا ، ( وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود ) التي حدها اللّه ( وترك الشهوات ) وغير ذلك من الآداب الحاملة على أعمال الآخرة كتحريك الهمة للقيام بها والرجاء والمحبة ، ( وأما أهل الخصوصية ) وهم العارفون باللّه ( فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب ) منهم يكون ( في مواقف الطلب وأوقات الحضور ) مع اللّه ( ومقامات القرب ) من اللّه تعالى ، فأدبهم مع اللّه في كل وقت وحال لازم لهم بما يليق بوقتهم الذي هم فيه
شرح
( قوله : فقد زل عن درجته ) أي بوقوفه معه واستحسانه له ، وغفلته عمن تفضل به . ( قوله :
فقال : لست بسيء الأدب ) لعله صدر منه تحدّثا بالنعمة أو لإفادة حسن تأديبه ممن أدّبه ليقتدى به فيه .
( قوله : أما أهل الدنيا الخ ) محصله أنّهم لا يعتنون إلا بتحسين ظواهرهم والتصنع لأمثالهم غافلين عما قصد منهم من تحسين البواطن كالظواهر ليتحقق لهم نعت الإيمان ، ومشهد مقام الإحسان . ( قوله : فأكثر آدابهم في رياضة النفوس ) أي بالقيام عليها بفعل المأمورات ، وقوله : وتأديب الجوارح أي على الهيئة المأثورة في أنواع الطاعة ، وقوله : وحفظ الحدود أي عدم ارتكاب ما نهى عنه الشارع ، وقوله : وترك الشهوات عطف عام على خاص . ( قوله : في طهارة القلوب ) أي من دنس خطور الأغيار ، وقوله : ومراعاة السرائر أي مراعاة ما يرد عليها من واردات الأنوار ، وبارقات عين الاستبصار ، فما وافق منها العلم المحمديّ والأثر الأحمدي أخذوا به وإلا أحجموا عنه ، وقوله : والوفاء بالعهود أي بالقيام بأحكام الظاهر ، وقوله : وحفظ الوقت أي عن الضياع والمراد الحال فلا ينظرون إلى ماض ولا إلى مستقبل ، وقوله : وقلة الالتفات إلى الخواطر أي التي فيها حظ للنفس بدون شاهد العلم . ( قوله : في مواقف الطلب ) أي في منازله وأوقات الحضور أي جمعية القلب على الحق تعالى بدوام مراقبته في