اليافعي في كرامات مريم : إنّه كان في بدايتها يعرف لها خرق العادات بلا سبب ليكمل يقينها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، فلما كمل يقينها ردت إلى السبب وقيل لها :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
[ مريم : 25 ] ( بخلاف الأنبياء فإنّه يجب أن تكون لهم معجزات لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى الخلق ، فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه ولا يعلم ) صدقه ( إلا بالمعجزة ) لأنّ وجودها عقب دعواه النبوّة منزل منزلة قول اللّه له : صدقت في دعواك ، ( وبعكس ذلك حال الولي ) أي لا يجب أن تكون له كرامة ( لأنّه ليس بواجب على الخلق ولا على الولي أيضا العلم بأنّه ولي ) نعم يجوز أن يعلم أنّه ولي كما مر واحتج له بقوله : ( والعشرة من الصحابة رضي اللّه عنهم صدّقوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبرهم ) به من ( أنّهم من أهل الجنة ) فقد علموا بذلك أنّهم أولياء اللّه واجتمعت الأمة على فضلهم ( وقول من قال :
لا يجوز ذلك ) أي علم الولي بأنّه ولي ( لأنّه يخرجهم من الخوف ) إلى الأمن لا يضر في عدم خوف تغير العاقبة ( فلا بأس أن لا يخافوا تغير العاقبة ) بأن يعلمهم اللّه بأنّهم يموتون على الإسلام ، وذلك حاصل لبعض الأولياء ، ( و ) أما ( الذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه ) ومن خوفهم مما توعدهم به ربهم من الوقوف بين يديه للسؤال والحساب فإنّه موجود فيهم بل ( يزيد ويربو على كثير من الخوف ) الحاصل لغيرهم بل لا يزول عنهم ذلك لأنّه ثمرة معرفتهم به تعالى وبجلاله وعظمته ، وإن حصل لهم سكون بإعلام اللّه لهم بعد تغير العاقبة ، ولا يضر في علمهم بأنّهم أولياء احتمال التغير كما لا يضر في العلم بأنّ الكافر حال كفره كافر احتمال إسلامه لأنّ العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به ، ( واعلم أنّه ليس للولي
شرح
بخلاف الأنبياء ) أي الأنبياء المرسلين كما يرشد إليه التعليل مع أنّ الظاهر الأعم واللّه أعلم .
( قوله : فلا بأس الخ ) حاصل الغرض في تحقيق هذا أنّه لا يلزم من علم الولاية سلب مطلق الخوف عن الولي لثبوت الخوف من العشرة المبشرين بالجنة مع علمهم بحسن عاقبتهم وبولايتهم على أنّه لا يلزم من نفي خوف العاقبة نفي خلف الخوف لثبوت الهيبة والإجلال له تعالى عندهم ، وغير ذلك مما ذكره المؤلف .
( قوله : ولا يضر في علمهم بأنّهم أولياء الخ ) محصل ذلك منع القول بأنّ علم الولاية يخرج عن الخوف أي وذلك لتعلقه بالحال ، واحتمال التغير من حكم الاستقبال كما يرشد إليه التنظير بقوله : كما لا يضر في العلم الخ . ( قوله : لأنّ العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به ) أي في زمن العلم ، وذلك تعليل لقوله : ولا يضر في علمهم الخ . ( قوله :
واعلم أنّه ليس للوليّ الخ ) أي فالواجب في حق الوليّ أنّه لا يعلق همته بما سواه تعالى