والسماع ، فلما كملت أحوالها كشف لها في وقت عن الجلال والجمال ليكمل إدراكها وستر ذلك عنها في وقت ليعظم لهبها واشتياقها ، فهي بين كشف واستتار ، وحياة ودمار ، ونيل وانتظار قال تعالى في وصف المؤمنين :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ ق : 37 ] ووصف الكفار بأنّهم
وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الأنعام : 25 ] وبأنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم ، ( وسعته ) أيضا ( يقول : سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكيّ يقول : المستمع بين استتار وتجلّ فالاستتار يوجب التلهيب ) أي الاشتياق ( والتجلي يورث ) وفي نسخة يوجب ( الترويح والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو ) أي الاستتار ( محل الضعف والعجز والتجلي يتولد منه سكون الواصلين ) إلى اللّه تعالى ( وهو محل الاستقامة والتمكين ، وذلك صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا
) أي قال بعضهم لبعض : ( أنصتوا ) أي اصغوا لاستماعه ( وقال أبو عثمان الحيريّ : السماع ) لكونه إنما طلب للانتفاع ، والخلق فيه ثلاثة أقسام : مبتدىء ومنته ومتوسط ( على
شرح
العارفين المحققين إذ ما ذكره الشارح يفيد ما ذكر . ( قوله : إنّ في ذلك لذكرى ) أي فيما ذكر في السورة لتذكرة وعظة ، وقوله : لمن كان له قلب أي قلب سليم يدرك به كنه ما يشاهده من الأمور ، ويتفكر فيها كما ينبغي ، فإنّ من عرف ذلك بقلبه رأى أنّ مدار الدمار على الكفر ، وقوله : أو ألقى السمع أي إلى ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى للكفرة وأوفى قوله : أو ألقى السمع لمنع الخلو دون منع الجمع ، فإنّ إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب كما يلوح به قوله تعالى :وَهُوَ شَهِيدٌأي حاضر بفطنته لأنّ من لا يحضر ذهنه كأنه غائب .
( قوله : المستمع بين استتار وتجلّ ) أي وذلك ليدوم اشتياقه ، ويقوى بذلك رجاؤه ، فهو إذا احتجب التهب ، وإذا كوشف اقترب واضطرب ، فهو بين عذاب عذب ، ولذة غارق في أبحر تلك النعمة فافهم .
( قوله : يوجب التلهيب ) أي الاحتراق بنيران الأشواق . ( قوله : يورث الترويح ) أي بطلوع بشائر التفريح . ( قوله : يتولد منه حركات المريدين ) أي بما يظهر من عدم تحمل وارد رب العالمين . ( قوله : وهو محل الضعف والعجز ) أي عن تحمل الواردات الإلهية ، وبوارق أنوار الصمدية ، فيبدو منهم الاضطراب من عدم القوّة على تحمل ما أصاب .
( قوله : والتجلي يتولد منه الخ ) أي وإن كان التجلي يختلف لأنّه قد يكون بالجلال والكمال ، وقد يكون بالجمال والدلال . ( قوله : السماع على ثلاثة أوجه الخ ) محصله أنّ المبتدىء سماعه من بواعث العمل ، والمتوسط سماعه من صدق الحال ، والمنتهي سماعه مما يجريه الحق تعالى فيه من تصاريف الأحكام .