تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ممدوح ومطلوب على ما يأتي . ( قال اللّه عز وجل :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
) [ الزمر : 17 ] الذي أثنى اللّه عليه وأمر باستماعه والتدبر له واتباعه
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
شرح
وضرب الأرض بالأقدام ، بإظهار التواجد ولا سيما إذا كان مثل ذلك في مسجد من المساجد ، وعلى الطريقة المعلومة الآن من رفع الصوت بالألحان المهيجة للشهوات ، وتمايل مثل الأمرد الجميل إذ مثل ذلك حرام باتفاق لم يقل بحله أحد إلا من ابتدع أو تزندق ، وأقبح من ذلك ما جمعوه مع السماع من الدف والشبابة والتصفيق ، وكونه في مسجد مع أنّ السلف كانوا يكرهون رفع الصوت فيه ولو بذكر أو قراءة أو غيرهما ، وقد نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن رفع الصوت بالقراءة فيه ومن ذلك ما ورد « من نشد ضالة في المسجد فقولوا : لا ردها اللّه عليك » « 1 » ، وورد « من سأل في المسجد فاحرموه » ، وروى أبو داود والترمذيّ والنسائيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر » ، وبعض الناس يفعلون السماع على ما هو عليه اليوم في المساجد ويرقصون فيها على حصرها الموقوفة تارة مع الدف والشبابة ، وتارة مع الضرب بالأكف مع أنّ إمامنا الشافعيّ رضي اللّه عنه سئل عن مجرّد السماع فأجاب بأنّه لهو وباطل أو يشبهه وأنه مكروه ، ومذهب مالك رضي اللّه عنه أنّه يجب على ولاة الأمر زجرهم وردعهم وإخراجهم من المساجد حتى يتوبوا ويرجعوا ، ومذهب الإمام أحمد رضي اللّه عنه أنهم لا يصلى خلفهم ولا تقبل شهادتهم وإن عقد النكاح أحد منهم فعقده فاسد ، ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه أنّ الحصر التي يرقصون عليها لا يصلى عليها حتى تغسل والأرض لا يصلى عليها حتى تحفر فإياك ومعاشرة هؤلاء أو الاجتماع معهم على شيء مما تقدم ذكره واللّه ولي هداك . ( قوله : فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) أي وهم الموصوفون باجتناب الطاغوت البالغ أقصى غاية الطغيان ، فعلوت بني للمبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت ، ثم وصف به للمبالغة في المصدر وبالإنابة إلى اللّه تعالى والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه ، ومدار اتصافهم بهذين الوصفين الجليلين كونهم نقادا في الدين يميزون الحق من الباطل ، ويؤثرون الأفضل ، فالأفضل أولئك الذين هداهم اللّه الإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلوّ مرتبتهم وبعدها في الفضل والشرف ، وأولئك هم أولوا الألباب أي أصحاب العقول السليمة عن معارضة الأوهام ومنازعة الهوى فهم المستحقون للهداية لا غيرهم ، وفيه دلالة على أنّ الهداية تحصل بفعل اللّه تعالى وقبول النفس لها واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي ( صلاة 118 ) .