« ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض اللّه له من يكرمه عند ) كبره ( سنه » « 1 » ) أي جاءه به حينئذ قال تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
[ الرحمن : 60 ] . ( سمعت الأستاذ
شرح
رحمة وعطفا ، قيل : ولدت لهما جارية تزوّجها نبي فولدت نبيا هدى اللّه على يديه أمة ، وقيل : ستين نبيا ، وقوله : وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين مقيمين في المدينة هي القرية المذكورة فيما سبق ، وكان تحته كنز لهما أي من فضة وذهب ، وكان أبوهما صالحا أي فصلاحه عمت بركته ذريته ، قيل : كان هو الأب السابع لهما ، أنظر بقية التفسير إن شئت .
( قوله : إلا قيض اللّه له الخ ) أي جزاء وفاقا ، ويؤيد ذلك خبر « لا تزال أمتي بخير ما وقر صغيرهم كبيرهم » .
فائدة :
إذا اتخذ المريد شيخا له لا يخفي عنه شيئا من أمره ، فإنّه يعامله على حسب ما يظهر منه قوّة وضعفا لكن لا يخبره إلا بما هو محتاج إلى كشفه له بما يتعلق بأحواله إما لجهله بأحكامه أو لمعرفته بوجه الرياضة والانتقال عما يعرفه من نفسه من سئ الخصال لا ما لا حاجة له بإظهاره ليحوز أفضل أعمال البر مما الأوفق به الخفاء والسر ، لأنّ ما أمر بإظهاره هو ما احتاج إليه إلى شفاء أسقامه بمحاسن أدوائه ، فما اشتهر من أنّه لا يخفي عن شيخه شيئا من أحواله ، فهو مخصوص بما هو محتاج إلى بيانه إذ الغالب على المريد في ابتداء أمره الجهل بالأحكام وقوّة النفس والالتفات إلى الشهوات ، ومألوف العادات ، فمن هذه الجهة أمر بكشف أحواله حتى يتخلص من خبيث أسقامه ، ثم إذا وصل المريد على يد شيخه وانتقل عن الفتور والكسل فعليه الشكر لمولاه على ما أولاه ، والموافقة لشيخه في كل ما يأمره به من أمر دنياه وأخراه ، فلا يخالفه فيما يأمر به من ترك مكاسبه وفيما تعلقت به نفسه من أغراضه ومآربه ، وذلك لأنّه أنظر لمصالحه من نفسه وأشفق عليه منها لأنّ نظره بنور العلم وهو ينظر بظلمة الشهوة والجهل ، ولأنّه ينبغي له أن يوافقه فيما أمره به لحقه ومزيته ومراعاة حرمته ، إذ كيف يليق بمن توالى عليه الإحسان من المتفضل عليه به أن لا يمتلئ قلبه بمحبته وتلزم عن ذلك الموافقة له حتى لو أمر بترك ما لم يمنعه الشرع لكونه غير محرم ولا مكروه ، فحقه موافقته فيه امتثالا لأمره ، فإنّ إدخال السرور على من له عليه حق من أعظم القربات والموصل لنيل أعلى المقامات ، ولأنّه ربما تألم شيخه بمخالفته ، فكان سببا لانحطاطه عن درجته واللّه أعلم .
( قوله : قال تعالى :هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) [ الرحمن : 60 ] أي ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب ، فهو استئناف مقرر لمضمون ما فصل قبله .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( بر 75 ) .