( تجاوز عن المرة الأولى والثانية فلما صار إلى الثالثة والثلاث آخر حدّ القلة وأول حد الكثرة سامه الفرقة ) أي أولاه إياها وأرادها منه ( فقال : هذا فراق بيني وبينك ) ثم بيّن له السبب في فعله كل مرّة بقوله :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ
[ الكهف : 79 ] إلى آخره ، فعلم أنّه لا ينبغي للتلميذ أن يعترض على شيخنا ، فإن وقع في نفسه شيء فليمسك عن السؤال ، فلعله يبين له بعد ذلك ما أشكل عليه ، فإن دعته حاجة إلى معرفة ما سمع فليورد كلامه على وجه السؤال لا على وجه الاعتراض . ( أخبرنا أبو الحسين الأهوازيّ ) رحمه اللّه ( قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال : حدثنا أبو سالم ) وفي نسخة أبو سليم وفي أخرى أبو سلمة ( القزاز قال : حدثنا يزيد بن بيان قال : حدثنا أبو الرجال عن أنس بن مالك ) رضي اللّه عنه ( قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
شرح
وتعريض بأنّه فضول لما في لو من النفي لما رأى الحرمان ومساس إلحاحه واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك في الصبر واتخذ فعل من تخذ بمعنى أخذ كاتبع بمعنى تبع وقرىء لتخذت أي لأخذت ، وقرىء بإدغام الذال في التاء .
( قوله : تجاوز عنه الخ ) أي تخلقا بأخلاق اللّه على ما جرت به عادته في عباده المقصرين حيث يديم ستره عليهم المرة بعد المرّة عسى أن يرجعوا ويتوبوا رأفة ورحمة .
( قوله : سامه الفرقة ) أي تأديبا له وإرشادا إلى طرق الكمال في حق المشايخ .
( قوله : ثم بين له السبب ) أي لأجل أن يطمئن قلبه ويسكن مما أصابه بظاهر الحال .
دقيقة :
لا يوافق المريد شيخه فيما علم تحريمه بالإجماع أو في مذهب ذلك الشيخ ، فما يظهر من أخلاقهم من دخول النار بأمر المشايخ أو السفر بلا زاد ولا راحلة أو الاجتماع بنحو السباع الضارية ، فذلك لعادتهم مع ربهم من كفايته لهم بوقوع الخارق لهم ، فليس في ذلك من التغرير بالنفس شيء . ( قوله : بقوله : أما السفينة ) أي التي خرقها ، فكانت لمساكين أي لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة ، وقيل : كانت لعشرة خمسة منهم زمنى ، وخمسة يعملون في البحر ، وحينئذ فالإسناد للتغليب وقوله :فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهاأي أجعلها ذات عيب ، وقوله :وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌأي كان أمامهم قيل : اسمه جلندي بن كركر ، وقوله : يأخذ كل سفينة أي صالحة غصبا نصب على المصدر ، وقوله :وَأَمَّا الْغُلامُأي الذي قتلهفَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِلم يصرح بكفره لظهوره ، وقوله : فخشينا أن يرهقهما أي خفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا وكفرا لتعبهما بعقوقه وسوء صنيعه ، وقوله :فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماًأي طهارة من الذنوب ، وأقرب